ــ( جمعة الفاخري يحاورالشاعرة الكبيرة نبيلة الخطيب )ـــ
الجمعة 23 يونيو 2006
1ـ نبيلة الخطيب عاشت بقريتها ( الباذان ) طفولة مختلفة تختلط فيها مشاعر فرح الطفولة وزهوها بعذابات الجراح والأسى لمشاهد الخراب والقتل والتهجير عن الوطن التي ارتكبها المحتل الإسرائيلي .. ماذا تبقى في الذاكرة من تلكم المشاهد ..؟
** بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أسمح لنفسي أن أقول :
ما الذي يمكن أن يتسرب من الذاكرة ؟! فإن ما يميز هذه الطفولة أنها حُفرت ونقشت في تجاويف الذاكرة مخترقة كل المسطحات الخارجية ، قد تتسرب ذكرى فرح أو حزن من هذا الثقب أو ذاك إذا تفرد ، أما حين يتفاعل الاثنان ليتكون مركّباً جديداً فلن يسمح حتى لوجود ثقب تتسرب منه قطرة من تلك الذكريات الحميمة ، إنها تشكل الوجبة التغذوية لهذا اللبوس الأدبي الذي يسيل من الدواة مشكلاً بدوره لوحات الفن على أسطح الورق المختلف ألوانه وأشكاله.. إن اللحظة التي أسطر فيها هذه الكلمات تغالبني فيها لحظات المرح والحبور في وادي الباذان بين حقول الزنبق وظلال العناب وماء الوادي العذب الرقراق الذي يجري بارداً تحت بيتنا ، فأعبث به كيف أشاء ، تندمج مع هذه البراءة والجمال صورة الاحتلال وقد جثم بكلاكله على صدر ترابنا وبراءتنا ، وصورة الذين يقرعون بابنا بحثاً عن قطعة سلاح لانتزاعها ومصادرتها مع الحلم الجميل ، ذلك السلاح الذي كان بالنسبة لأبي قلبه النابض وساعده الذي يدافع به عن الأهل والوطن ، وكان بالنسبة للمستعمر جريمة تستوجب السجن وهدم المنزل .. إن العصفور الذي يزورنا اليوم في عمّان ليحط على زنابق حديقتنا هو بجماله وروعته الذي كان يحط على زنابق وادي الباذان .. هذه كلمات وصور عجلى تأبى السؤالات إلا أن تنكأ جراحات لتفجّر منها ينابيع ، آثرتُ أن أضبطها وألملمها مكتفية ببث قطرات ، كل واحدة منها تشكل جدول أسىً وسناً في مُركب كيميائي عجيب.
2ـ للطفولة مخزونها التذكري الذي لا ينضب ورصيدها الإبداعي الثرُّ .. هل يعمد الشاعر إلى اجترار محطات الطفولة لتغذية خياله الشعري وتلغيم قصائده بربيعاتها الفاتنة ..؟
** ــ ( كلٌ ميسّر لما خُلق له )ــ الشاعر يولد شاعراً ، فقبل أن يكتب الشعر أو يقوله تكون نفسه مشبعة بالشعور بكل ما حوله .. شعور من نوع خاص ، لا يمر بالأشياء والمواقف كما يمر بها الآخرون ، من هنا قالوا: الشعر هو الشعور، وإذا كان كل إنسان يملك شعوراً ، لكنما المؤهل للشعر له طبيعته التكوينية التي أوجدها الله فيه متميزة ، كل الناس يرون السحابة تسبح في السماء ، ويسمعون زقزقة العصافير وغناء البلابل في الصباحات ، وتلامس آذانهم وشوشات الماء في جداوله ، ويحسون النسيم يداعب الخصلات الناعمات ويتمتعون بجمال الوردة وأنفاس الرياحين ، فيعبّرون عن دهشتهم وإعجابهم بكلمة ( الله ..! ) ويمدونها بترنم ، أو يخرجونها من أعماقهم بنفسٍ عميق دون كلام ، ولكن الشاعر هو الذي يحوّل هذه المعجزات الخلقية إلى معجزات من نوع آخر .. إنه البيان والتصويرــ (إن من البيان لسحراً ، وإن من الشعر لحكمة).
3ـ متى اُكتشفت الشاعرة فيك متلبِّسة بالقصيدة ..؟ ومن الذي نصَّبك شاعرة ..؟
الشاعر لا يكتشف نفسه اكتشافاً.. منذ اللثغات الأولى كنت أحس بإعجاب الأهل حيال كلماتي ونظرتي المختلفة لكل ما حولي ، كنت أرى الأشياء بطريقة مختلفة تثير اندهاش الأهل فيبدون تحبباً بالغاً ، أذكر أنهم كانوا يستنطقونني بسعادة وإعجاب أمام زائريهم ، ويضحكون جميعاً بفرح وتحبُّب لخروجي عن المألوف في التعبير والتعليق .. لم أكن أعلم أنني مختلفة، بل هم من أشعرني بذلك ، وعندما كبرت قليلاً راحوا يعاملونني كشاعرة صغيرة ويتنبئون لي بمستقبل حافل ، فصدّقت الأمر وكنت منسجمة مع هذه الآمال والأحلام .. أحببت فكرة أن يعتبروني متميزة بين أفراد الأسرة والمدرسة والأطفال الذين حولي ، فكبرت وأنا لا أعرف نفسي غير ما عرّفني من حولي .. وبالتالي فإن الذي نصّبني شاعرة هو الشعر، أو من كانوا يقدرون الشعر حق قدره.. هو الشعر إذن.. فأنت لا تستطيع أن تضع تاجاً على رأس غير ملك ، أو تقدّم جائزة لغير مستحقها.. وهكذا فلا أحد ينصّب الشاعر شاعراً دون أن يكون كذلك ، ولكن قد يعطيه لقباً ، كأن تقول هذا صناجة العرب أو أمير الشعراء أو شاعر النيل ...
4ـ نبيلة الخطيب تمتلك نثراً فنياً باهراً لا يقل جودة عن شعرها الآسر .. لما لم تكتبي القصة أو الرواية ..؟ **- لي محاولات في القصة القصيرة والمقالة ولم أجرّب الرواية ، وإنني بصدد إعداد خواطر إذاعية وتلفزيونية تبث بصوتي سيتم تسجيلها بعد عودتي من السفر إلى المغرب - إن شاء الله - لكن الشعر يأخذ جل اهتمامي ، فأراني أفكر شعراً وأتنفس شعراً وربما أحيا شعراً ، فعندما تلوح الخاطرة أو الفكرة إنما تتقولب من تلقاء نفسها شعراً ، وإحساسي يتملكه الشعر دون إرادة مني ، إنه أميري الذي يدعو فألبِّي ويأمر فأطيع ، لا أدري لعلي مستقبلاً أخوض غمار بحر الرواية أو القصة.. ما زلت أرجو ذلك..
5ـ لك محاولات في كتابة أدب الرحلات .. وقد تفوَّقت في سرد مشاهداتك وخلجاتك خلال زيارتك للأندلس .. لما لا تستمرين في هذه الغواية المدهشة ، سيما وأنت تمتطين براق الشعر في ترحال مستمر عبر بلاد الله الواسعة ..؟
** - إن الأندلس تاريخاً وتراثاً ومعالم خالدة حطّمت لديّ قلم الشعر على عتباتها، فلم أستطع أن أكتب عن رحلتي إليها إلا نثراً، وإن كان موشىً بالشعر، وكأنما دموعي الحرَّى التي تمازجت مع تراب قرطبة وغرناطة تحكي حرقة المشاعر وأنا أشاهد البلاد التي فتحها أبطال عظام ونشروا العدل والسلام بالإسلام على أرضها، ثم ضيّعها إخوة لهم، وضاعوا بعدها.. تجمدت لغة القصائد، ولم أجد ما أقوله شعراً بعد قول أم عبد الله الصغير:ابك مثل النساء مُلكاً مُضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجالِفبكيت في كل مكان ، وبكيت عندما مررت بالمكان الذي أطلق عليه الإسبان الاسم الذي يعني بالعربية : ــ( زفرة الأمير الأخيرة )ــ فلم تكن زفراتي أقل حرارة من زفرات أم عبد الله الصغير.هو النثر كالشعر له هبّة لا يملك مَن تجتاحه صدّها ، وأنا أسعى لأن أجعل لكل بلد أزوره نصيباً من اللوحات الأدبية نثراً وشعراً ، ما أخرني هو شح الوقت ، ولكنني أسعى إلى التفرغ للأدب إن شاء الله، أما بالنسبة لرحلة الأندلس فقد اجتاحتني مشاعر لا تؤجل ، إنها مشاعر الإحساس بالفقد والشوق والأسى والزهو والانكسار في آن واحد ، امتزجت وصخبت في صدري فلم أملك معها إلا الكتابة تعبيراً وتفريغاً ، وإلا لقتلني صمتي حيالها.
6 ـ نبيلة الخطيب معلمة اللغة الإنجليزية .. كيف حافظت على لغتها العربية الأصيلة بنحوها وصرفها وعروضها وبلاغتها .. ولم تتأثر بلغة الآخر افتتاناً وانصهاراً ..؟
**- درست اللغة الإنجليزية، ودرّستها ..أجل ، ولكنني لم أعشها ، فلم أسكنها ولم تسكنّي، اللغة حياة، لقد افتتنتُ باللغة العربية وانصهرتُ فيها ، خصوصاً أنني نشأت في أرض النبوات حيث للغة روعة أخرى ، تتناغم وقداسة المكان ، ما أروع أن تقام الصلاة ويرتل فيها القرآن في أي مكان ، فكيف إن كان في المسجد الأقصى مسرى الحبيب حيث أمَّ الأنبياء ؟! أحس وجيب قلبي يصدح بالعربية ، فهل أستطيع أن أحس بغيرها ، للعربية موسيقا رائعة ، أحسستها وانطبع في نفسي جمالها قبل أن أدرك معانيها ، لثغت بها حروفي الأولى ، وكان يُشنفُ شغافَ قلبي ترتيل أبي وهو يصلي الفجر أو في جوف الليل ، فأحلّق وكأنني من سكان الغيم ، أسرتني اللغة العربية أسراً لا أحب الفكاك منه ، علاقتي بالانجليزية علاقة عمل كمدرّسة للغة ، وقد استفدت من تلك الثقافة ومن الأدب الغربي، ولكنني عبرت عن ذلك بالعربية، أجل.. بالعربية فقط .
7ـ ألم تدفعك إجادتك للغة الإنجليزية ـ بحكم التخصص ـ إلى ارتياد عوالم الترجمة الأدبية كترجمة أشعارك للإنجليزية مثلاًً ..؟
** - كيف أستطيع ترجمة أشعاري من اللغة التي تتملكني إلى لغة لم أستطع أن أملك روحها ؟! سأظلم شعري واللغة الإنجليزية معاً لو اقترفت ذلك بنفسي ، ولكنني حباً في التواصل مع الآخر، تركت هذا الأمر إلى من يعطيه حقه، فترجمت بعض أشعاري وما زالت تترجم إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والتركية والبرتغالية والصينية، وأرجو أن يكون هناك ترجمات إلى لغات أخرى ، حتى يقرأني المهتمون من الشعوب ، كما أحب أن أقرأهم وأستمتع بأدبهم ، فلا حدود بين الإبداع وإن اختلفت اللغات ، أذكر في أمسية شعرية جمعتني بالشاعرة السويسرية كلير كريهنبول ، وكنت عرفتها من خلال أشعارها التي ترجمت إلى العربية ، وعرفتني من خلال ما ترجم لي إلى الفرنسية ، عندما التقينا لأول مرة تعانقنا بحرارة، وجالت دموع في عيوننا معاً ، أحسسنا كأن وشائج من القربى ربطتنا منذ زمن، إنها قربى الكلمة والإبداع .
8ـ نبيلة الخطيب حفظت القرآن الكريم في الصغر ، فغدا في شغاف قلبها نقشاً في الكبر .. فما آثر الثقافة الإسلامية في تكوينك الأدبي ..؟
**- حفظت من القرآن الكريم ، ولا آزال أسعى لإتمام الحفظ ، وأرجو الله أن يعينني على حفظه كاملاً ، ليس للأدب فقط بل للفوز بالدرجات العلا في الآخرة ، حيث يقال للمسلم في الجنة ــ( اقرأ وارقَ )ــ أقول نعم ، لقد كان للثقافة الإسلامية أثرٌ كبيرٌ في تكويني الأدبي ، وهذا ما جعلني أصنّف مع الشعراء الملتزمين، وهنا أجدها فرصة للشهادة أن الثقافة الإسلامية لا تؤثر فقط ، بل إنها تصقل ، ويمكن أن تبدع بما يجاري وينافس ويتقدم ، وللنقاد رأيهم الذي أعتز به وأسعد .
9ـ لنبيلة الخطيب تجارب عدة مع المسابقات الأدبية متسابقة متفوقة ومحكِّمة أحياناً ، فما أبرز المحطات التسابقيَّة التي وقفت فيها ..؟
** - كنت وقتها طالبة لم أتجاوز الخامسة عشرة من عمري ، عندما سألتني امرأة بعمر جدتي وقد جلستُ بجوارها في الحافلة العامة التي توصلني إلى المدرسة : ( بنت مين إنتِ يا ستّي؟ ) وعبارة ( يا ستي) تخاطب بها الجدَّات أحفادهن وكأن الواحدة منهن تقول ( ياحفيدي ) وينادي بها الأحفاد جداتهم ، وعندما أخبرتها باسم أبي قالت على الفور: هل أنت الشاعرة ؟ عندها..أحسست بما لا أستطيع وصفه من فرح وزهو وسعادة ، قلت: نعم ، فوضعت يدها على رأسي وقالت: ــ( اسم الله عليك ، الله يحفظك ويخلِّيك لأهلك )ــ كنت ما زلت أخربش كلماتي الأولى في الشعر، ولم أحصل على شرف هذا اللقب بعد، فمنحتني إياه تلك الجدة الأميَّة من خلال ما نقلته الطالبات لأهلهن ، فقد كانت المديرة والمعلمات في المدرسة يعمدن إلى تعزيزي بقراءة قصائدي الصغيرة التي كانت تنشرها إحدى الصحف في صفحة الأقلام الواعدة، فيقرأن ويجعلنني أقرأ في الإذاعة المدرسية أو في احتفالات المدرسة ، في القرية الناس معرفة ، لا أحد نكرة ، حتى لو وفد غريب على القرية ، فسرعان ما يصبح معرفة ، وهكذا كانت حتى الجدَّات يسمعن ويبدين اهتماماً حتى ولو بمراهِقة ما زالت تحلم أن تكتب درسها دون أن تقع في أخطاء إملائية ، كان ذلك الموقف هو أبرز المحطات التسابقية التي وقفت فيها ، حيث كان السباق مع الحلم والزمن ، وأما المحكم فكانت عجوزاً أمية منحت دعواتها للحلم البكر كما منحتها للفتاة البكر.
10- ماذا بعد ديوانيكِ ( صبا الباذان ) و (ومض الخاطر ) ؟.
**- تحت الطبع بل أظنه قد تم طبعه ديوان (عِقد الروح ) وهو يصدر عن رابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض ، حيث فاز هذا الديوان بالجائزة الأولى في مسابقة الرابطة للأديبات ، وبين يدي مخطوطة لديوان بعنوان(صلاة النار) معدة للطباعة قبل ديواني الثاني (ومض الخاطر) ولكن لا أدري لماذا ما زلت أضنُّ بها على المطابع رغم قربها الشديد من نفسي ، والديوان الخامس ما زال بلا عنوان ، فهو قيد الإعداد ، وقد صدرت مجموعات من الألبومات المسموعة على أشرطة أو أقراص مضغوطة ، وقد حققت انتشاراً جيداً في العديد من الدول العربية.
11ـ هل للطفولة تأثير مباشر على تكوينك الشعري ..؟
** بالتأكيد نعم، فالطفولة هي التشكيل الأول والنواة التي ينبثق منها برعم النفس كأنما تُنقش الطفولة على خارطة العمر فتلازمه حتى النهاية، كثيراً ما أشعر أنني الطفلة التي تشتاق حضن أمها وتتمنى أن تدفن رأسها في صدر أبيها ، في قصيدتي المعنونة "في مدخل الصمت" أقول: " يا أبي.. لماذا أناديكَ لا تستجيب؟!.. أزورُكَ متعَبةً يا أبي.. وفي مدخل الصمت.. أعقلُ راحلةً من جموح الحنين..وأطرُق بوّابةً أقفِلتْ في مسار السنين.. فافتحْ ذراعيكَ.. خذني إليك.. وهَدهِدْ فؤادي قليلا..فإما احترقتَ بأنات صمتي .. أصِخْ يا أبي لنشيج الوجيب " إلى أن أقول: " .. وقلبكَ يرشحُ ودّاً ووردا.. وناركَ كانت سلاماً وبردا..وحضنكَ مهدا.. على مرج صدركَ بي يا أبي حاجةٌ للبكاء.." إلى آخر القصيدة.. نعم.. تأثرت بطفولتي، فقد كانت رائعة ، عندما أعود إليها أحس وكأنني أدخل عالم الحكايات الأسطورية الجميلة ، فأتحوّل إلى معزوفة موسيقية في سيمفونية الطبيعة أو إلى نشيد علوي رخيم ، ذلك لأن طفولتي الرائعة تشربت الطبيعة الرائعة التي أتيح لي أن أعيش في أحضانها ، في كنف أهلٍ رائعين ، فارتبطت طفولتي بمهد الجمال والروعة ، وهذا ما زاد من حميميتها ووثق ارتباطي بها ..، فانعكست ليس على تكويني الشعري فقط بل على تكويني النفسي والروحي والعصبي وكل جزئيات حياتي.
12- للهمِّ الإنساني والعذابات البشرية حظه الكبير في أعماق وقصائد نبيلة الخطيب .. فكيف تستشعر الشاعرة المآسي الإنسانية التي تفقس كلَّ حين .. وهل للجرح الفلسطيني امتدادٌ يتواشج مع جراح العالم كافة فتتآلف عندك مواجع الإنسانية وعذاباتها مكونةً نهر دموع ودماء ..؟
*** بحكم تكويني الثقافي الإسلامي فإن نظرتي إنسانية عامة تمتد عبر الزمان والمكان ، لا أومن بالجنسوية لا من حيث التكوين ، بل من حيث التمييز والاستعلاء ( بما فضل الله به بعضكم على بعض) فكلٌ له جانب تفضيلي على الآخر، وإنني أرفض التمييز والتفاضل العِرقي، فهذه قضية محسومة، ولا يد للإنسان فيها ، (ولقد كرّمنا بني آدم..)، وأرفض أيضاً التفاضل الاجتماعي الاستعلائي والطبقي الظالم (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ، من هنا أرى وحدة المأساة الإنسانية (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ) فأي جرحٍ في أي مكان وزمان أحسه ينزفني ويفتك بشراييني ، فالشعراء هم أكثر الناس نزفاً إنسانياً مع كل مشهد جوع أو تشرد أو قتل أو ظلم...أما الجرح الفلسطيني فهو الذي تعجز الأقلام والكلمات أن ترقأ فتقه ، أو تبني سداً ولو لضبط بعض أنهار دموعه ودمائه ، كل الهم الإنساني والعذابات البشرية إنما هي مجسدة في هذا الجرح ، وكوني ابنة القضية فقد تكثفت فيها كل الجراح والعذابات والهموم.. واختزلت كل القضايا.
13ـ في قصائدك ، لا سيما في ديوانك الأول صبا الباذان ، تكثر الخطابية الوعظية ، كما نلمس الكثير من الحكم الداعية إلى الإرشاد ، فهل للأديب دورٌ اجتماعي في البناء والإصلاح والتغيير كالفيلسوف والسياسي والمصلح الاجتماعي ..؟
** أترك الحكم على قصائدي للنقاد ، ولا بأس أن تصدر أحكام مختلفة حولها ، تسعدني الآراء المختلفة أياً كانت، فإن فيها إغناءً للعمل الإبداعي ، كما أنني أحاول الإفادة منها ، أقول: لستُ مع الخطابية في العمل الإبداعي ، وربما يلتبس الأمر بين ما في شعري من وعظ وحِكَم وغيرها وبين الخطابية والمباشرة ، أومن أن الأديب ينبغي أن يكون له دور في المجتمع وحركة الحياة ، فالأديب يخاطب جميع الفئات من على منبر الكلمة ، ولا يحد عبق كلماته زمان ولا مكان ، وهذا يسلمنا إلى قضية مهمة وهي أن الأدب للحياة بناءً وإصلاحاً وجمالاً وروحاً..، وإذا تخلى عن هذا الدور التكاملي فيغدو من العبث الذي لا طائل من ورائه ، والذي تكفل الزمان بإهماله وتجاوزه، إنما الأديب ابن الحياة والبيئة والمجتمع ، فلا يليق به أن يرثي في الفرح أو يغني في العزاء ، أو يرقص على جراحات المجروحين أو يقهقه أمام ثكلى تبكي ابنها تحت جنازير الدبابات..، فالشاعر هو باطن الباطن، ومن هنا يكون البقاء للأدب، ربما يقول السياسي كلمة تجرح وتثير الأضغان وتشعل الحروب، ولكن الشاعر يقول كلمة السياسي بطريقة أخرى ترتق الفتق وتلم الشعث وتداوي الجراح ، وإذا كان الفيلسوف يحلّق كثيراً بالهُلاميات وربما يعقد الأمور، فإن الشاعر يصوغ كلام الفيلسوف بما يتغلغل في الأعماق ويقرّب المسافات.. إذن كيف يمكن الفصل بين الشاعر وغيره إلا بالدور والأسلوب؟!
14ـ لشاعرتنا فلسفتها الخاصة في النظر للحياة و الحب والجمال والعواطف الإنسانية الأخرى .. فما إيجازك لهذه الفلسفة في تداخلها وتقاطعها المثير ..؟
*** نعم .. لي فلسفتي الخاصة ، مع انسجام كامل ، ذلك أنني أصدر عن مرجعية إيمانية وقيمية واحدة في نظرتي للحياة والحب والجمال والعواطف الإنسانية ، وأراها مجتمعةً مكوّنات لمعنى واحد ، باختصار هي ـ(أنا الإنسان المؤمن)ـ.
15ـ نبيلة الخطيب لا تؤمن بتصنيف القصيدة ارتكازاً على الشكل .. فما مفهومها للشعر .. وكيف تتعامل مع أنواعه المقترحة ..؟
*** كل إنسان يقول الشعر ولكن بطريقته ، فالأم وهي تهدهد طفلها إنما تحكي شعراً ، والمتأمل في نجوم السماء الصافية ويناجيها يقول شعراً ، والخطيب وهو يوجَّه كلماته إلى جمهوره ليدخل في أعماقهم هو شاعر..، وهكذا في كل مجالات الحياة..، فالمشاعر هي التي تتخاطب وتوجه وتؤثر، في إطار هذا المفهوم العام للشعر، كل إنسان في داخله شاعر.. أما ما تعارف عليه الناس من مفهوم مصطلحي للشعر فهو الذي أطلقوا عليه اسم (القصيدة )، وهل القصيدة إلا ما يقصد الشاعر؟! .. هذه القصيدة التي اعتبرها أدبنا مولوده البكر، إنها العمودية أو الخليلية، والتي لا يزال الأدب العربي يعتز بها ويفخر بشعرائها، ثم ظهرت قصيدة التفعيلة التي تحمل الكثير من سمات الشعر المقفى ، وهذا ما منحها الشرعية الشعرية ، وقد كتبت في النوعين السابقين، أما الثالث والذي أطلقَ عليه اسم قصيدة النثر ، فإنني أعتبره نوعاً من الأدب غير الشعر ، وهو ككل أنواع الأدب جميله جميل ورديئه رديء، وإن كتبت فيه فأعتبره نثراً أدبياً لا شعرا.
16ـ برأيك هل لا يزال الشعر ديوان العرب ..؟
*** يبقى الشعر على المدى رونق الحياة وديوان الزمان ، ومهما تطورت وتغيرت وسائل وآلات تسجيل الحدث وحركة الحياة فلن تلغي دور الشعر في مجالات الحياة تعبيراً وتصويراً وتخزيناً ، والفارق أن الشعر يحوي في داخله المشاعر والعواطف مع تسجيل الحركة والحدث ، بمعنى آخر إن الآلة الحديثة تنقل الحدث كما هو جامداً ولو كان متحركاً ، بينما الشعر ينقل الصورة والحركة ويتغلغل في أعماقهما، ويلقي بظلال سحرية على وجدان المتلقي ، لا يبهتها تباعد الزمن ولا تغير الاتجاهات.. فالشعر شاهد على الصورة وليس العكس ، وهو يملك من خصائص الجمال والخلود ما يفتقد إليه غيره.. أليس هذا جديراً بأن يبقى ديوان العرب ما دامت العربية تنطق بها الألسن فتخفق لها القلوب ؟!
17ـ البعض يرى أن الشعر اختصاص رجالي ، فالمرأة مجرد بكَّاءة ندَّابة لم تجد غير الرثاء والبكائيات على امتداد خارطة الشعر العربي ، برأيك هل استطاعت شواعر العرب أن يزاحمن الشعراء بشعرٍ متفرِّدٍ متميّزٍ..!
*** إذا كان الشعر تعبيراً فنياً نابعاً من الشعور فالأصل التساوي في ذلك بين الرجل والمرأة.. بل أقول إن المرأة بما خصَّها الله من تفوق في رهافة الحس وفيض العاطفة على الرجل كان ينبغي ولا يزال أن تتقدم عليه في التعبير وإبراز هذه المشاعر والعواطف .. من هنا فالقضية ليست اختصاصاً بقدر ما هي عوامل أخرى متفاوتة في التغليب اجتماعية واقتصادية ودينية ، وجعلت الدينية في آخرها لقناعتي بأن الدين لم يقف عائقاً أو معوِّقاً للمرأة في حركة الحياة ومنها التعبير الشعوري . وأقصد بالدين نصوصه وليس كثيراً من التهويمات والتأويلات المغلوطة السائدة كانت ولا تزال .. لم يخل جيل من وجود شواعر منهن من عرفن بأسمائهن الصريحة ومنهن من لم يعرفن إلا بأسماء رمزية مما أبقاهن بغير أسماء حقيقية .. وللعوامل السابقة يكون شعر الكثير من الشاعرات قد أهمل فضاع.أما أن المرأة مجرد بكَّاءة ندَّابة لا تجيد غير الرثاء والبكائيات فهو تقرير يحتاج إلى دراسة معمقة لكل إنتاج شواعرنا عبر التاريخ العربي الطويل إلى يومنا هذا .. وهل يعني هذا أيضاً أن المرأة تفردت وتميزت بهذا النوع من الشعر على الرجل ، إن كان نعم ، فهذا يعني إنها زاحمت الرجل فعلاً ولو بهذا النوع من الشعر .. وان كنت أرى ـ وإن في المراحل الأخيرة ـ أن المرأة الشاعرة لم تترك موضوعاً شعرياً إلا طرقته وكان لها باع فيه.. ويحسن أن أختم الإجابة أن القضية ليست مزاحمة وتنافساً بقدر ما هو تكامل شعوري ومجال اهتمام .
18- من تعجبك من شواعر العرب الأوائل والمعاصرات ؟
***أحترم وأقدر كل عمل إبداعي قديم ومعاصر... ولكلٍ تجربته وزمنه وقضاياه ... والتفاوت في العطاء أمر فطري وطبيعي ولا يخلو عمل من إبداع وأنا احترم النسبية في مجال الإبداع .
19ـ ما انطباعك عن المشهد الإبداعي الليبي وبإبداعه وأعلامه .. لا سيما الأديبات ..؟
***- لا أدري من المقصر بالدرجة الأولى ، نحن الأدباء أم وسائل الإعلام، لم يتح لي المجال بعد للاطلاع إلا على القليل من الأدب والإبداعات الليبية ، كما أن إعلامنا أيضاً مقصر في إيصال صورتنا إليكم ، لذلك فلا أستطيع الحكم ، لكنني أسعى جاهدة للتواصل مع المشهد الإبداعي الليبي ككل ، وليس الإبداع النسوي فقط ، فما عرفته منه ثري بحق ويثير الإعجاب.
20ـ نبيلة الخطيب ترفض الإملاءات الشعرية .. بمعنى أنها ضد قصائد المناسبات ، فكيف تبرِّرين رفضك .. أهو إيمانٌ بالولادة العفوية للقصيدة أم هو عجزٌ عن الارتكاب العمديِّ للشعر ، أم رفض للموضوع أصلاً ..؟
***- أنا لست ضد قصائد المناسبات بالمطلق... فالمناسبة التي تلامس وجداني وترتاح لها نفسي وتعفيني من صراع داخلي فانا معها ... بمعنى أن المناسبة التي هي جزء من مشاعري الوجدانية أو التي تتحور إلى ذلك ويتولد عنها قصيدة أو قصائد فإنما هي جزء من النفس ولا أحس بانفصام بيني وبينها ... وبالتالي فقصيدة المناسبة عندي محررة من الزمان والمكان ، فهي تنتقل من المقيد إلى المطلق لتلامس المشاعر الإنسانية وتتحول إلى قصيدة يمكن أن تقرأ في المناسبة وغيرها.. فقصيدة عاشق الزنبق مثلاً هي في الأصل قصيدة مناسبة ولكنها تحولت إلى إبداع مطلق يقرأها كل صاحب قضية وطن أو عشق... وباختصار إذا أتت القصيدة لا أردها .
21- لوصف الطبيعة والجمال بشقيه نصيب وافر في شعرك .. هل للنشأة الأولى سطوتها في هذا الجانب..؟
***- للطبيعة بشكل عام تأثير على النفس والشعور فالإنسان ابن الطبيعة وهو جزء منها ومن مكوناتها ... أما أن للنشأة الأولى سطوتها فهو أمر مؤكد ولقد درجت في أحضان الطبيعة الغناء الرائعة الجمال، فكنت ذرة من ترابها وقطرة من مياهها وبلبل من طيورها وظللت هكذا إلى اليوم لا أنفك عنها ولا هي كذلك فأجد نفسي بتلقائية أتغنى بها فتغنيني في كثير من الأحيان عن غيرها ... ومما عمق ذلك أني اليوم أعيش بين أحضان طبيعة ساحرة وفي جو يسوده الهدوء ... أصحو على تغريد العصافير فأظنني في وادي الباذان النشأة الأولى ...
22ـ ما قصتك مع الرقم (واحد) فقد تحصلت على جوائز عربية ودولية عدة في الشعر العربي منها الجائزة الأولى في مسابقة رابطة الأدب الإسلامي العالمية للأديبات عن ديوانك ـ(عِقد الروح)ـ والجائزة الأولى في مسابقة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين عن قصيدتك (صهوة الضاد) وجائزة السيدة الأولى في الشعر العربي عن مجمل أعمالك الشعرية والجائزة الأولى في مسابقة رابطة الكتاب الأردنيين عن قصيدتك ـ(عندما يبكي الأصيل)ـ كما أنك فزت في مهرجان للإبداع النسائي العربي وفزت في الخرطوم عن قصيدة (عقالها الحب) .. فضلاً عن جوائز عدة أخرى.. فهل ثمة سرّ ..؟
***- الحمد لله أولا... فلا قصة لي مع الرقم واحد ... وعندما أكتب القصيدة لا أفكر بما وراءها من فوز أو غيره فديوان ـ(عقد الروح)ـ الفائز بالجائزة الأولى في رابطة الأدب الإسلامي العالمية كتبت قصائد في أوقات متباعدة ثم جمعت وقدمت للمسابقة ... وقصيدة ـ(عندما يبكي الأصيل)ـ فازت بالجائزة الأولى في رابطة الكتاب الأردنيين ولم تكتب لذات المسابقة... وكذلك قصيدة ـ(عقالها الحب)ـ التي فازت في مهرجان البجراوية للإبداع النسائي العربي في الخرطوم أيضا لم تكتب للمسابقة ... أما قصيدة ـ(صهوة الضاد)ـ فهي الوحيدة التي كتبتها لمسابقة البابطين لإحساسي أن الحديث عن الشعر والشعراء هو من ذاتي وتجربتي التي عايشتها منذ نعومة موهبتي الشعرية فكانت الفائزة بالجائزة الأولى وذلك فضل من الله .. ولا استطيع أن أتحدث عن نفسي في هذا المجال فهو متروك للنقاد والدارسين ..
23ـ هل تبقى شيء لم نذكره ..؟
***- ما أحب أن يعتنى به ويصبح مصبَّ الاهتمام هو ما يكتب الكاتب وما هدفه دون إغفال الفنية العالية كهوية تمنح الشرعية والمواطنة الفنية للإبداع، أقصد بالمواطنة الفنية تلك التي لا تحدها حدود .. لا زمانية ولا مكانية... فتنسجم الرسالة التي يريد تبليغها وإيصالها إلى العقل لتصبح من ثم حركة في الحياة... حركة إيجاية بانية... وإلا ستكون بالتأكيد مخربة معوقة... ولا بأس بالاختلاف أو التباين في الاجتهادات في إطار الجدية وإرادة الخير... حتى لا تسيطر العبثية وتملأ الساحات الأدبية والفكرية باللاشيء .
24ـ كلمة أخيرة ... ؟
***- أعتقد أن قضايا الإبداع ترتبط اتساعا بقضايا النفس والمشاعر وهي تشمل الفضاء كله بكل ذراته ومساحاته اللامحدودة والحكم على أي عمل إبداعي تحكمه ظروف مكانية وزمانية ونفسية ، وأكثر ما أخشاه أن يتحول الإبداع إلى صناعة تابعة لمواصفات محددة تفرضها مصالح لا علاقة لها بالفن بكل مشتقاته لخدمة أصحاب تلكم المصالح ... وازعم انه يقدم في عصرنا الحاضر إبداع ويؤخر آخر وفق تلك المواصفات ، أما المعصوم فمن عصم الله تعالى ... وبالله التوفيق .
مجلة اجدابيا
0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية