الثلاثاء، 5 فبراير 2008

حوار مع نجدت لاطة

الشاعرة نبيلة الخطيب :

الشعر الإسلامي يشق طريقه معنى و فناً

حوار : نجدت لاطة

تزامت مقابلتي مع الشاعرة نبيلة الخطيب مع أمسية شعرية لها في رابطة الأدب الإسلامي في عمان. وقد كان أسلوب إلقائها مذهلاً، وخيّل لي أن صوتها آلة موسيقية تعزف الألحان لأشعارها، فتخالها عندليباً يشدو بين الأيك والخمائل. ولقد نال إلقاؤها إعجاب الحاضرين جميعاً، وأثنوا عليه كثيراً.

ولا عجب أن تلد فلسطين شاعرتنا، وهناك في وادي بلدة "باذان" بالقرب من مدينة نابلس، حيث أشجار اللوز والتين والعناب نشأت وترعرعت، وكان للينابيع العذبة التي تخترق "باذان" صوتٌ شكّل أصداء روحها.

وخاضت شاعرتنا غمار التجربة الشعرية فأجادت وأبدعت، وحصلت على الكثير من الجوائز الشعرية في المسابقات المحلية والدولية، فقد حازت على الجائزة الأولى في الشعر في مسابقة الكتّاب الأردنيين عام 1995م عن قصيدتها "عندما يبكي الأصيل" وحازت على جائزة مجلة "السيدة الأولى" الكويتية، ثم نالت الجائزة الأولى في مسابقة البابطين لعام 2001م عن قصيدتها "صهوة الضاد" وقد صدر لها ديوان عام 1996م تحت عنوان "صبا الباذان"، وفيما يلي نص الحوار:

السؤال: حدثينا عن بداياتك الشعرية:

كيف اكتشفت أنك شاعرة؟

كيف مارست كتابة الشعر في خطواتك الأولى؟

كيف صقلت هذه التجربة؟

الإجابة: لا يستطيع الشاعر أن يحدد بداياته الشعرية، إن حياته وشعره متداخلان تداخل الفصول والمشاعر، ولكن الإحساس بالجماليات حظه أوفر عنده من غيره.فيستخفّه تغريد عصفور، ويحلق خياله مع جناح فراشة بين الأزهار والرياحين، فيجري قلمه بنظم جميل بينما يحاول حل مسألة رياضية.. وإنما تصقل الموهبة الإبداعية بتلقائية وتطور طبيعي مع الاهتمام الذاتي وتنامي الشعور والإدراك الواعي، ولا يصقل الموهبة وينظم المشاعر ويزيد الوعي مثل العكوف على القراءات المتنوعة الطويلة.

السؤال: بمن تأثرت من الشعراء؟ ومن أثرى تجربتك الشعرية؟

الإجابة: نعرف أن الإنسان يمر بأطوار ثلاثة: التقليد ثم الاختيار ثم الابتكار، ولكنني حقيقة لم أشعر أنني تأثرت بأحد، وهذا لا ينفي الإفادة من القراءات والمطالعات، فأنا ابن ذاتي وصنيعة نفسي، أومن بان جمال صوتك أن يكون متفرداً وأن حُسن إلقائك أن يكون متميزاً: (ومن الجبال جدد بيضٌ وحمرٌ مختلف ألوانها وغرابيب سود).

ولقد كان لوالدي فضل إغناء تجربتي الشعرية منذ نعومة أظفاري، بينما الصور والمعاني تتناسل في داخلي قبل أن يتكون على شفتيّ جنين الحرف الأول إبداعاً، بغرسه القيم النبيلة والمشاعر السامية في وجداني وعقلي. فأنا أعدّه مثلي الأعلى والقمة السامقة التي أجهد لمصافحة ذراعها.

السؤال: ما الذي يدعو الشاعرة نبيلة إلى كتابة قصيدة؟

الإجابة: عندما تحضرني القصيدة أكتبها، فأنا لا أطلبها ولا أستجديها، تأتيني وتتكون في داخلي من خلال فكرة سامية أو مشهد إنساني أو صورة جميلة، من هنا فإن القصيدة حين تولد لدي تكون قد اكتملت ونضجت ذات سمع وبصر وفؤاد.

السؤال: في القصيدة التي ناجيت بها الطائر الأخضر الذي يحوم حول زهور الزنبق، هل كان الطائر يرمز إلى شيء ما في حياتك، أم أن جماله الباهر هو الذي استثارك؟

الإجابة: للطائر الأخضر قصة لن أذكرها، لأن العبرة فيما أوحت وأبقت.. لقد أحيا في نفسي معاني الإخلاص والوفاء وأعمق أحاسيس الحب والولاء. أحسست أن هذا العصفور هو ذلك البعيد في الذاكرة والجغرافيا، وأن الزنبقة هي تلك.. وأن الجاذبية التي أوجدها الله في الخلق هي في كل شيء.. في الرحيق وفي الجمال وفي الصفاء وهي في الوطن ومسقط الرأس ومرتع الصبا وجدول الماء الرقراق وحقول العناب. ورأيت فيه جمالاً.. ولكن الذي أثارني جمالات أخرى حملها العصفور معه وحطّ بها على زهرة الزنبق.. وكيف اهتدى إليها.. إن هذا المشهد الصغير في حجمه زادني إيماناً مع إيماني أن في الكون ما لا يدرك بالحواس الخمس وهذا الذي يتمايز به الخلق خفضاً ورفعاً. وقد قلت في القصيدة مخاطباً الطائر:

ماذا أتى بك: قـال الـوجـد والولهُ *** فطرت زهواً وخلت الكون لي وله

وكيـف تُقبِلُ - والأيـام غـاديـة - *** على تحَمُّل طيـف العمـر أوّلـه

أبعـد هـذا الفراقِ المرِّ تذكرنـي *** مَن أبرم الوعـد فـي حينٍ وأجّلهُ

وقلت فيها أيضاً:

يَظَلُّ بالورد مفتـوناً يَظـِـلُّ بــه *** وإن سـقته عيون الـورد ظلّله

فيرشـف العمر من تلك اللّمى عبقاً *** سـبحانه من صبّه خمراً وحَلَّله

ما كان يبرح فـي الآكـام مورده *** إلا إذا العبق المكـنون أثمله

السؤال: الملاحظ أن شعرك الخاص بفلسطين ينبع منه الأنين والآهات، فتارة يناجي الآلام والجراح، وتارة يناجي أمهات الشهداء، ويبتعد - بشكل دائم - عن الشعر الثوري الصاخب.. ما رؤيتك في ذلك؟

الإجابة: كلما غار الجرح وزاد الألم كان الأنين أعمق وأخفت، لا يكاد يسمع، وتنحبس الآهة حتى لا تكاد تبين.. إن من يلسعه عود الثقاب يضج بصراخٍ عالٍ.. أما من يلقى في النار تنحبس كل تعابير صوته فلا تسمع منه إلا عن شدة قرب آهات مكبوتة عميقة لهي أشد وقعاً على النفس وأجرح للفؤاد.. وأمام صور الأمهات والشهداء والأطفال.. تتوارى الكلمة خجلاً وتذوب الأشياء في ذواتها.

السؤال: يشكو شعراء الشعر الحر من القافية في القصيدة العمودية، لكن الملاحظ في قصائدك العمودية، أن القافية لا تشكل لديك عبئاً، فكأن القوافي تنساب بين يديك فتختارين منها ما تشائين ومتى تشائين، فما الذي يساعد الشاعرة نبيلة على هذا التجاوب مع القافية؟

الإجابة: باختصار "عدم التكلف" فأنا كما ألمحت آنفاً لا أتكلف القصيدة، وبالتالي فإن كل ما فيها يأتي طائعاً مختاراً.. صورةً أو رمزاً أو قافيةً أو وزناً أو شكلاً.. وأجد أن الكلمة هي التي تختار موقعها، والمعاني هي التي تختار كلماتها، ولا أذكر أني عانيت في اختيار صورة أو كلمة أو قافية.. بل أحياناً تكون المعاناة معكوسة، حين تحط المفردات لإرادة المعنى فأجد حرجاً من الاختيار بينها، فأخط واحدة وأحتضن الأخريات أسترضيهن.

السؤال: هل - حقاً - كتابة القصيدة العمودية (ذي الشطرين) أصعب من كتابة الشعر الحر؟

الإجابة: بالنسبة لي الجواب "لا"، إذا جاءت القصيدة عمودية فهي الأسهل، وإذا جاءت تفعيلة فهي الأسهل، وهذا من فضل الله علي وله الحمد والمنة. أما بشكل عام فإني أزعم أن القصيدة العمودية لا يجيدها أو يقدر عليها كل أحد، فإن فيها ما ليس في الشعر الحر.. والذي أخشاه أن يكون اللجوء للشعر الحر إنما هو هروب من تبعات العمودي.

السؤال: ما رأيك بقصيدة النثر؟

الإجابة: القصيدة فن أدبي متميز، والنثر كذلك، فهما فنان لكلٍ طبيعته وشكله وقواعده وإبداعه.. أنا لا أعدُّ ما يسمى بقصيدة النثر شعراً، إنه فن أدبي نثري ويحكم عليه في هذا الباب حسنه حسن وقبيحه قبيح.. أما الخلط والمزج بينهما تحت مسمّى متناقض فهو ضياع لهما معاً.

السؤال: هل ما زال الشعر ديوان العرب، أم أنه انزوى جانباً وصار أقرب إلى التراث منه إلى واقعنا المعاصر؟
الإجابة: الشعر يسجل أحداث الحياة ونبضها، ومسيرة الشعر لم تتوقف منذ كانت، وحتى الشعر سجّل نفسه كجزء من حركة الحياة فلاقى من الصعود والهبوط كابن شرعي لواقعه.. وعبر تاريخه المعروف وهو يواكب الأحداث ويسجّلها ولكن بريشة فنان. لذا فإني أرى أن الشعر هو الديوان الفني والشعور للأحداث، أكثر منه تسجيلاً توثيقياً. فكما أن الحديث الشريف لا يؤخذ من كتب التاريخ والأدب فكذلك التاريخ لا يؤخذ من كتب الأدب والشعر.

السؤال: كان الإنسان العربي يقول في بيت لم يفهمه من قصيدة قديمة: المعنى في بطن الشاعر. ولكنه الآن أصبح يقول في القصائد المعاصرة: معاني القصيدة كلها في بطن الشاعر. ألا تعتقدين أن الشعراء المعاصرين - لا سيما شعراء الحداثة - هم وراء ابتعاد الناس عن الشعر بما ابتدعوه من رموز وأساطير وغموض بعيدة عن فهم العربي وتذوقه؟

الإجابة: الشعر تسجيل صادق الشعور حول حدث أو فكرة أو صورة حياتية، والشعور أمرٌ خفي لا يدركه إلا صاحبه حتى يظهر باللسان أو القلم، ومع ذلك فليس المطلوب من الشاعر أن يجعل من مكونات نفسه ومشاعره صفحة مكشوفة كل الكشف.. هذا الوضوح التام والكشف الجلي من غير ما حاجة إلى تأويل أو تفسير أو استشراف للمعنى من بعيد أحياناً، ومن قريب في أخرى، يقضي على لذة النظر في الشعر وإدامة مراجعته والبحث فيه، في الوقت ذاته أرفض الطلاسم والانحراف في الغموض وغلبة الأساطير، معتبرة الرمزية ذات المدلولات المعددة والمعاني المتنوعة سعة أفق وتحليق في رحلات فضائية فيها من المفاجآت والتلاوين ما يثري ويغني الإبداع الشعري، وبهذا يتميز الشعر عن غيره من ألوان الفنون، وكل ذلك ضمن دواء الفهم القريب والبعيد بما لا يصادم الذوق العربي الأصيل.

السؤال: ما تقييمك للشعر الإسلامي المعاصر؟ هل استطاع أن يوفي الأحداث التي نمر بها حقها؟

الإجابة: إن الحكم على الشعر الإسلامي المعاصر له ارتباط بطبيعة المرحلة التي يمر بها العالم الإسلامي والمسلمون.. فالشعر الإسلامي يجهد في ملاحقة الأحداث والتعبير عنها ومسايرتها، ولأن صدمات الواقع المتتالية أكبر من أن يحتملها شعور أو تتصدى لها عاطفة، فإن المعاني المباشرة والفكرة الواحدة والصوت العالي يغلب في الأداء الشعري حتى يقترب في كثير منه إلى النظم والمباشرة والخطابية منه إلى عمق المشاعر والتلوين المجازي والإبداع الفني. فالشاعر المسلم يوصل فكرته ويخاطب العالم بوضوح، ولعل هذا ما يرفع عنه الحرج.. وبالجملة فإن الشعر الإسلامي اليوم يشق طريقه مجاهداً معنى وفناً.

ومن خلال متابعتي للشعر الإسلامي فإني أراه يحاول أن يكون مع الأحداث مواكباً ومسجلاً ومصوراً.. ولن يستطيع شعرٌ أن يوفي الأحداث الراهنة حقها الذي هو حقها، فأنى لمدادٍ يسيل من القلم أن يوفي حقه مداد يكتب التاريخ بمداد يسيل متفجراً من القلب والشرايين ليغمر كل الأسفار ببضعٍ من قطراته.

السؤال: لعلّك لاحظتِ مثلي عدم حضور الشباب في الأمسيات الشعرية والأدبية التي تقام في رابطة الأدب الإسلامي.. ما أسباب هذا الغياب للشباب؟ وأعني الشباب الذكور، لأن الشابات كان لهن حضور بشكل دائم.

الإجابة: هذه ظاهرة عامة غير مقصورة على رابطة الأدب الإسلامي، ذلك أن الشباب يتجاذبه طرفان أو قطبان: الإفراط والغلو في التفكير والتطلع نحو المعالي "عملياً"، أو التفريط والتهاوي في مستنقع الهبوط والإسفاف "عملياً" أيضاً. ويرى هؤلاء الشباب (في الأغلب) أن الشعر لا يُشبع رغباته ولا يُلبّي طموحه في الحالتين.. والشعر بحاجة إلى نوعٍ من الهدوء والاتزان العقلي والعملي "وقليلٌ ما هم".

السؤال: لقد كررت سؤالي هذا أكثر من مرة على الشعراء الإسلاميين: لماذا حُذف الغزل من الشعر الإسلامي المعاصر، إلى درجة أن الأعراس الإسلامية لا يوجد فيها شعر غزلي ولا أناشيد غزلية؟

الإجابة: وأنا أكرر جوابي في السؤال قبل الأخير فإن طبيعة المرحلة تجعل الشاعر المسلم والمنشد المسلم ينحاز إلى ما يراه الأهم، لا خموداً في عواطفه ومشاعره في الجانب الذي يعبر عنه الغزل، ولكن العواطف والمشاعر المتأججة الملتهبة تتجه نحواً آخر، هي موجودة وقوية ومندفعة ولكنها تنصب وتفرغ حسب أولويات المرحلة.

رحلة إلى الأندلس


رحلة إلى الأندلس


بقلم: نبيلة الخطيب

ما إن لامست قدماي أرض إسبانيا حتى لهج قلبي ولساني بالدعاء (اللهم ارفع راية الإسلام في هذه البلاد)، ملأتُ رئتيّ بالهواء وأطبقتُ أجفاني للحظات محاولة كبح جماح عبراتٍ تراود بالانفلات في ظرف غير مناسب، لا بد من التوجه بشكل عملي مع حشود القادمين لتعبئة بطاقات معينة ومتابعة أمور الجوازات وتفقد الحقائب، من مطار إشبيلية نقلتنا الحافلات الكبيرة إلى قرطبة ووزعتنا على الفنادق المحجوزة لنا حسب ترتيب مسبق.

بعينين أرهقهما النعاس تفقدتُ الساعة زمن الوصول فإذا بها قاربت على الرابعة فجرا ( كنت أظنها فجرا)، في الصباح ناداني منبه هاتفي الخاص، فنهضتُ واختلستُ نظرة من خلف الستارة، فإذا بالظلام ما زال يحتضن المدينة الغافية، عاودت النظر في الساعة فإذا بها حول الثامنة، أصابني شعور بأنني فقدت الإحساس بالزمن، رفعتُ سماعة الهاتف وسألت الموظفة المناوبة عن الزمن فأجابت بأن الساعة الثامنة وخمس دقائق صباحا، أعرف أن صفة نؤوم الضحى تليق بالغيد المنعّمات، أما أن أرى الشمس كذلك فهذا لم يخطر ببالى، الثامنة وخمس دقائق في بلاد المشرق تعني أن جيوشاً من الطلاب يجلسون على مقاعد الدراسة، و آلاف المعلمين والمعلمات يتمرغون بغبار الطباشير، وأن أعداداً هائلة من السيارات تطلق أبواقها في اختناقات السير المزمنة، وأن ملايين الأرغفة قد خُبزت وربما غُمس بعضها بالفول أو الحمص أو زيت الزيتون والزعتر، بالمناسبة، كنت على مدى أيام الرحلة كلما دخلت المطعم تذكرت المثل الشعبي الذي يقول: (صحيح لا تقسمي ومقسوم لا تأكلي وكلي حتى تشبعي)، اللحوم هنا ما لم يكن من الخنزير فهو بالتأكيد ليس مذبوحاً على الطريقة الإسلامية، والأجبان والألبان بأنواعها وأشكالها لا تخلو من دهن الخنزير، وحتى الخبز لا يُستبعَد أن يحتوي على بعض الكحول، أما الحلويات والكعكات الإسفنجية فلا بد من استخدام الكحول فيها لإخفاء نكهة البيض الكريهة، موظفو المطعم كانوا يؤكدون لنا- كمسلمين - أن المأكولات والمشروبات تخلو مما نحرص على اجتنابه، ولكن من يُصدّق؟! الفواكه وبعض قطع الخبز غير المخمّر مع المربى والعصير الطبيعي هي الأصناف الآمنة في مثل هذه الأحوال.

فعاليات التظاهرة الثقافية التي أقامتها مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين وأطلقت عليها اسم " دورة ابن زيدون " ستفتتح في الثامنة مساءً , وأما نهار اليوم فهو وقت حرّ للراحة من عناء سفرنا الطويل والذي أطاله وجعله مرهقاً هو تجمع المسافرين من شتّى الدول العربية في القاهرة والانتظار حتى المساء للتوجّه إلى إسبانيا على متن طائرة خاصة كبيرة , اتفقنا أن نستثمر هذه الفسحة من الوقت في زيارة مسجد قرطبة.

وما أدراك ما مسجد قرطبة , جمال يفوق الوصف وبهاء يخلب الألباب , أعمدة من الرخام الأسود وأخرى من الرخام الأبيض تنتصب فوقها أقواس من الرخام الوردي والأبيض , المنبر آية من الجمال نقشت عليه آيات من القرآن الكريم بخط جميل ودقة عالية , مساحة المسجد شاسعة وقد جرت توسعته أكثر من مرّة.

لكن الذي يحز في النفس ما رأيته من إضافات غير إسلامية أُلحقت بالمسجد , فقد جعلت في أحد مداخل المسجد كاتدرائية وقد علّقت على المآذن أجراس كنائس .

وباعتراف الأدلة السياحيين الإسبان أن " ألفونسو " أمر ببناء الكاتدرائية قبل دخوله قرطبة , وعندما دخلها ورأى ما رأى من روعة مسجدها العظيم أصابه الندم وقال عبارته المشهورة "إنني شوّهت تحفة فنيّة نادرة في العالم بإضافة بناء إليها يوجد مثله في العديد من البلدان .

بعد زيارة مسجد قرطبة زرنا بيتاً أندلسياً , عندما تُفتح البوابة الخارجية للمنزل تستقبلنا في باحة البيت نافورة عذبة الماء , على يمينها بئر تنعكس على وجهه صفحة السماء حيث الباحة الثرية بخصوبتها الوارفة وأزهارها سماوية السقف , هبطنا عبر ممر ضيق وأدراج قديمة إلى قبو مظلم تفوح منه رائحة الرطوبة . يحتوي أدوات خشبية ونحاسية قديمة بعضها للزراعة وبعضها الآخر مواقد وآنية طهو وأشياء أُخرى .

الطابق الأوسط للبيت قد جُعل متحفاً عرضت فيه وثائق وأوراق عملات قديمة وبعض التحف . الجهة اليسرى من المنزل تطل على شرفة سماوية أيضاً تحفل بالأزهار العابقة والجمال الأخاذ -(صدقاً اشتهيت أن احتسي فنجان قهوة في ذلك المكان البهي) – في الخلف حمام يحوي حوضاً كبيراً ما زال أصحابه يحرصون على ملئه بالماء المغطى بالأزهار الطافية على السطح ويُصار إلى تجديد الماء والزهور بين الفينة ولأخرى .

أما الطابق العلوي للمنزل والمحاط بالشرفات والنباتات المتسلقة والمتهدّلة فإنه معدّ لسكن العائلة صاحبة المنزل ويكتفى بمشاهدة روعة بنائه من الخارج ، لقد عرفنا أن المنزل يعود حالياً للسيدة سلمى الفاروقي زوجة المفكر الفرنسي المسلم روجيه جارودي.
الأندلسيون مولعون بالزهور فهم يزرعونها في كل مكان , حتى جدران المنازل بعضها مغطى بشكل كامل بواسطة أُصص الزهور أو النباتات الممتدة والمتهدلة.

لكن ما أثار في نفوسنا الكثير من الألم أن ذلك الحي الإسلامي العريق استولى عليه اليهود حين أخرجوا المسمين منه بعد أن ارتووا من دمائهم وأعراضهم، بل وأطلقوا عليه اسم حي اليهود، وما زال يحمل هذا الاسم،مسجد قرطبة الآن يمنع أن تقام فيه الصلاة ويصعب دخوله إلاّ بتذكرة مدفوعة الثمن!


عدنا إلى الفندق وأنا يطارحني الزهو تارة والانكسار تارة أخرى , يجب الاستعداد لافتتاح الدورة في تمام الساعة الثامنة مساءً ؛ أقصد عصراً , فقد عرفت أن الشمس تطيل النوم لتطيل السهر،إنها إن استفاقت تمعن بالسطوع كما تفعل عندنا في الشرق، يا لهذه الشمس التي يشدها الحب لمهد بزوغها الأول، لكأني بها عربية الهوى، فهي تنشر توهجها في قسماتنا سُمرة حميمة، وتخبئ دفئها في عروقنا وصدورنا فتضفي ألقاً على العيون والمشاعر، بينما تصبغ جلود غيرنا بالشحوب البارد وتنطفئ على القسمات الباهتة حدّ الجمود، الغروب هناك يكون في حدود الساعة العاشرة مساءً, حسب التوقيت الصيفي لديهم , مع أن الوقت خريف, الخريف هنا غاية في الروعة , أوراق الأشجار اتشحت بالصفرة والحمرة , بعضها ما زال يلوح للشمس من على الأغصان , والبعض الآخر آثر أن يحظى بغفوةٍ معانقاً دفء الثرى.

أما أشجار النخيل الضاربة جذورها في أعماق الأرض، والشامخة رؤوسها إلى السماء، أدخلها أجدادنا العرب إلى الأندلس وذهبوا، بينما وحدها بقيت متشبثة بالتراب شاهدة على التاريخ.

حفل الافتتاح تحت رعاية ملكية بحضور بهيّ لقمم ثقافية من كل الدول العربية وإسبانيا والبرتغال ودول أُخرى , كان حظي وافراً إذ كانت قراءتي الشعرية في يوم الافتتاح مع عدد محدود من الشعراء العرب والأسبان .

"لقد أتيت لأتنشق عبقَ أجدادي" ، كانت عبارتي الأولى على منصة الشعر , "كما عاد لي طائر الزنبق وأعادني عبر المكان والزمان إلى الطفولة الجميلة , وهكذا عدنا إلى الأندلس " وقرأت قصيدة عاشق الزنبق التي ترجمت وقصائد الشعراء العرب إلى الإسبانية والبرتغالية , بينما ترجمت قصائد الشعراء الأسبان والبرتغال إلى العربية .

برنامج الفعاليات كان متخماً بالندوات صباحاً وظهراً ومساءً , هل يعقل أن نكون في إسبانيا بل في الأندلس ولا نزور غرناطة ؟! لا بد من حركة عصيان وتمرد على برنامج الدورة , اتفقنا بسريّة كبيرة مجموعة من الأدباء والكتّاب العرب على رأسنا رئيس اتحاد الكتّاب والأدباء العرب الدكتور علي عقلة عرسان على السفر إلى غرناطة ، ولكن الخبر انتشر كالنار في الهشيم , فالجميع يتشوقون لزيارة غرناطة , وتوافدت أعداد هائلة تطلب الانضمام إلى الفرقة المنشقة , ولكن هيهات .. فزيارة قصر الحمراء تتطلب حجزاً مسبقاً قد يحتاج إلى أسبوع , ومنظّمو الرحلة الطارئة لم يتمكّنوا من الحصول على حجزٍ -" بطريقتهم الخاصّة " – إلاّ لعدد من الأشخاص يكفي لملء حافلة نقل كبيرة .
الطريق إلى غرناطة استغرقت ما يقرب الثلاث ساعات ذهاباً ومثلها إياباً , وقد علمنا أن سائق الحافلة قد سلك الطريق الأطول , لكن لا بأس فقد كانت فرصة بالنسبة لنا للتمتّع بمشاهدة روائع الخضرة وطراز البناء المكسو بالبياض والجبال والهضاب , حقول ممتدّة من الزيتون قد طرّزت بها الأرض على مد البصر , وغابات من الأشجار الباسقة تسحر العقول .

من نافذة الحافلة كنت أراقب وكأنني أرى وأسمع سنابك خيولنا وقد أثارت النقع فملأ المدى وصهيلها يجلجل في الفضاء , أقسم أنني أكاد أرى وأسمع , على رؤوس الجبال والمرتفعات تلوح أبراج المراقبة والقلاع شاهدة تتكلّم وتؤكد , وأنا أقرأ التاريخ سطراً محفوراً في القلب , وآخر مرسوماً على الثرى .

مررنا ببلدة تسمى " زفرة الأمير الأخيرة " هكذا هي الترجمة العربية عن الأسبانية , حيث هناك وقف عبد الله الصغير بعد أن خرج من غرناطة ونظر وراءه وذرف دمعة الألم والحزن التي ما زال ثرى تلك البلدة يصطلي بلهيبها , فقالت له أمه مقولتها الشهيرة :
"ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجالِ "
لقد بكيتَ يا عبد الله يومها .. وما زلنا نبكي بعدك جيلاً فجيلا , فرّت دمعتي واستشعرت أنني ثالثة اثنين ينتحبان , فها نحن نعيش المأساة يوماً بيوم , وكيف ننسى يا عبد الله ؟!

وصلنا غرناطة , استقبلتنا " جنّة العريف " , تلك جنة من جنان الله في الأرض , أي روعة وأي جمال ؟! الجنة مبنية بطريقة مدرّجة بديعة , في كلّ صعود بهاء من نكهة خاصة , أزهار وأشجار وماء بارد زلال , يأتي مباشرة من جبل " سيرا نيفادا" الذي ما زال يعتمر آخر ما تماسك عليه من ثلوج الشتاء الماضي, شدّ انتباهي كثرة وجود الطائر الجميل الأخضر الذي شدوت له ليلة الافتتاح , فهو طائر يجذبه رحيق الأزهار التي تكثر في هذه الحدائق الغنّاءة كما تكثر في فلسطين مهد الطفولة واليَفعة.

في الجهة المقابلة لجنّة العريف , قصر الحمراء يجمع بين الوقار والبهاء , لم يحن موعد دخول القصر بعد , فهناك حجز مسبق يجب التقيد به لتفادي الازدحام داخل القصر , صعدنا إلى القلعة المجاورة للقصر , ارتفاع القلعة والدرج المنتصب الضيق كان اختباراً حقيقياً يصنّف الصاعدين حسب أعمارهم وقوة أجسامهم , لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة لكبار السن الذين أصرّوا على الوصول إلى قمّة القلعة , فهي فرصة لا تتكرّر كلّ يوم،حيث المَشاهد التي تُرى من الأعلى ليست هي ذاتها التي تتاح من بين الجدران والنوافذ ,لذا الأمر يستحقّ المثابرة .

المكان أصبح مكشوفاً تماماُ , القمم تتيح للنظر ما لا يتأتى لغيرها , الجبال البعيدة مطرزة بأكواخ ملونة تأخذ شكل القباب في غالب الأمر، إنها مساكن الغجر, الوادي المحيط بالقلعة والقصر نموذج باهر للجمال الثريّ , الأشجار المشرئبّة إلى السماء والأغصان الملتفة والطيور المقيمة وأسراب الحمائم التي تحجّ إلى المكان أفواجاً ثم تنعطف لتحطّ على أسطح المنازل الغارقة بالأزهار حتى السقوف .

تملّكني شعور يصعب وصفه , كلّ الذي استطعته أنني بكيت , الدكتورة هبة عارف من مصر سألتني عن سبب بكائي , فأجاب الدكتور صلاح جرّار أمين عام وزارة الثقافة الأردنية الأسبق: لعلّها تذكّرت الباذان , فهذا المشهد هو أقرب ما يكون لوادي الباذان ، وأضاف معرّفاً، قضاء مدينة نابلس في فلسطين وهي بلدة الشاعرة , أجبته بمرارة : إنني أبكي مُلكاً مضياعا هنا وهناك .

تنهّد الشاعر المصري فاروق شوشة وقال : وأيُ ملك يا أختاه ؟! إنه والله ملك مضاع يستحقّ أن نبكيه .

تحت شجرة كستناء بريّة وارفة الظلال , جلسنا ننتظر وقت دخول القصر , ونأمل قبل ذلك أن يوصل إلينا رجال الأمن كلاً من الدكتور عبدالرزّاق حسين وزوجه اللذين بهرهما الجمال في جنّة العريف وانشغلا بالتصوير , فانفلتا من السرب أثناء ذلك .. ألقت إليّ شجرة الكستناء سخية الظلال بثمرة طاب لي أن أعتبرها هديّة , وهُيّء لي أن الشجرة الشاهدة على عصور موغلة في القدم ,قد أحسّت بما يختلج في نفسي , واستشعرتْ بفطرة الندى ما يترقرق في عينيّ من لهيب , زوجة الدكتور علي عقلة عرسان , التي كنت أشاركها المقعد , كانت تشاركني الهم .

" ولا غالب إلاّ الله " نقشت على الأبواب والجدران والأقواس وآيات عدّة، أحدهم قرأها وأسقط حرف (الواو) فاعترض أحد الأساتذة الحريصين على اللغة العربية قائلاً إن حرف الواو في ( ولا غالب إلا الله) يحمل دلالة كبيرة , وبدونه يتغير المعنى تماماً , فهي تعني أنه مع الثراء والعظمة والقوة والرخاء نذكر عظمة الله وغلبته أما إذا أُسقِط حرف الواو فتخيّم على العبارة ظلال الضعف وقلّة ما في اليد وضياع الحيلة والانكسار .

الأسود التي في باحة القصر ما زالت جامدة من شدّة الصدمة كأنها لا تصدّق الذي يجري، فقد أصبحت كأسود السيرك التي فقدت ما فُطرت عليه من شموخٍ وإباء , وأمست متاعاً للفرجة , لقد كانت هذه الأسود في يوم ما رمزاً للمنعة والعزّة ! أيّ منعةٍ وأيّ عزة أبقينا لأنفسنا في هذا الزمن ؟!

في آخر أيام الفعاليات واستجابة لرغبة الجميع بزيارة مدينة الزهراء، قامت إدارة التظاهرة الثقافية مشكورة بدمج فعاليات ندوتي الظهيرة والمساء ليتسنى لنا ذلك ، بعد القيلولة نقلتنا الحافلات المخصصة من فنادقنا وكان التجمع في باحة أحد الفنادق لننطلق في موكب موحد إلى الزهراء.

يا ألله كم هي جميلة ومدهشة تلك المدينة! أي حس فني كان يتمتع به ذلك الأجداد؟! لقد بلغ حد الترف ، نظام الري الذي يتيح للحياة أن تتدفق في كل مكان يمثّل شبكة من الأوردة والشريانات تتوزع بعناية فائقة في أوصال الحدائق العابقة بالخضرة.

القصر الذي يضم المكتبة الشهيرة يشرف على حديقة مدرّجة وممددة , في الجهة اليمنى بوابة أخرى للمدينة ذات أقواس شاهقة تمثل لوحة فنية نادرة ممعنة في البذخ . مساكن الخدم في الجهة اليسرى ضيِّقة وموغلة في التقشف , أي قانون ذاك الذي يتيح للإنسان أن يرفل بحياة متخمة بالترف بينما يجاوره أخوه الإنسان معدماً يرزح تحت وطأة الفاقة؟! هذا ما سنّه بنو البشر لأنفسهم، أما رب الناس فقد ضمن لنا بالتكافل الاجتماعي حياة أكثر عدلاً وانسجاما.

التقطت بعض الصور التذكارية للمكان وكنت معظم الأحيان خارج إطار الصورة، انتهاء نهار هذا اليوم يعني تفاوت في المشاعر والمواقف، إننا نودع المكان الذي ملأنا بالإلفة مع أننا نزوره لأول مرة ، ولا أدري كيف خيمت علي وحشة غريبة في مشهد الوداع ذاك، شيء ما يشد أعماقي إليه ويثير في نفسي اللهفة على أجداد تفاوتوا هم أيضاً في المواقف والسِيَر، فمنهم من ركب البحر وجرّد السيف ونال الشهادة أو النصر لفتح هذه البلاد التي كانت عصية إلا على الأبطال، ومنهم من أخذها سائغةً دون عناء، وفتنه جمالها وشُغل قلبُه بملذاتها، حتى ركنت نفسه إلى الدعة والغفلة، فانتُزع منه المُلك تفريطاً لا قسرا.

وانتهاء هذا اليوم يعني أيضاً أننا على موعد مع الجو الذي سيعيدنا إلى بلادنا وأهلنا ومنازلنا التي افتقدناها وافتقدتنا قرابة عشرة أيام، قبل الفجر توجهنا إلى إشبيلية ، لكن التفجيرات التي حدثت في طابة في تلك الأيام أحدثت إرباكاً في حركة الطيران- كما قيل لنا- هذا يعني أننا سنفقد موعد الرحلة التي ستقلنا من القاهرة إلى عمان، مما يسبب تأخيراً على الأسرة والعمل، لهذا أصابني شيء من الضيق.

في صالة الانتظار في مطار إشبيلية كنا بمعية فخامة المشير عبد الرحمن سوار الذهب الرئيس الأسبق لجمهورية السودان والذي عرفته في أيام قرطبة إنساناً عظيماً متواضعا، وكان معنا الشاعر السوداني محيي الدين فارس، الذي اختارته مؤسسة جائزة عبد العزيز البابطين لنيل جائزتها التكريمية، وكان الشاعر الفارس يتخيل كرسياً كتب عليه أن يلازمه عمره كله، وهو على كرسيه ذاك فارس لا يُشق له شموخ، طلب مني الرجل الكبير أن ألقي عليه شيئاً من شعري خصوصاً أننا كنا نجلس في المكان الأقل ضجيجاً في الصالة، وتمنى لو تكون القصيدة اللامية التي ألقيتها يوم الافتتاح يقصد(عاشق الزنبق) ، لكن الخلل الذي حصل في برنامج الطيران جعلني في حالة نفسية لا تنسجم وقراءة الشعر، تناولت القصيدة من حقيبتي وكتبت عليها إهداءً خاصاً به، ثم قدمتها له ليقرأها بنفسه معتذرةً عن عدم القدرة على القراءة، ولكنه أشار إلى عينيه وقال إن نظره لا يساعده ، عندها سارع الرجل الإنسان عبد الرحمن سوار الذهب بمدّ يده متناولاً القصيدة وشرع بإلقائها، وعندما وصل إلى البيت الثالث استأذنته وأكملت إلقاء القصيدة وقد أذابني تواضعه حياءا، من السودان أيضاً التقيت الوزير الشاعر محمد صديق المجتبى، وزير الدولة للثقافة ورئيس مكتب رابطة الأدب الإسلامي في السودان، أكثر ما يلفت الانتباه في شخصه عفويته وطيبته وخلقه الرفيع، فهذه الصفات من سمات الإخوة السودانيين، فقد لاحظت غير مرة من خلال لقاءاتي بالعديد من الإخوة والأخوات من أهل السودان أن دماثة الخلق من بعض طباعهم.

في الجو بين إشبيلية والقاهرة وعلى ارتفاع آلاف الأقدام أقيمت أمسية شعرية نادرة ، حيث تطوع بعض الشعراء المتحمسين لإحياء الوقت- لا لقتله- بالشعر مستخدمين "الميكرفون" الخاص بالطائرة، وقد كان لتلك الأمسية طعم خاص ، فقد تميزت عن الأمسيات التي تقام على الأرض من حيث المكان وربما الزمان وطبيعة الجمهور الذي كان من صفوة الأدباء ومن شتى أقطار الوطن العربي الكبير، تحدثت القصائد عن أمجاد العرب والمسلمين في الأندلس، وعن البطولات التي سُجّلت في صفحات التاريخ، ومنها ما خاطبت ابن زيدون واستحضرت طيف ولادة بنت المستكفي..ولأن الشعرَ طائرٌ يعشق الانطلاق والتحليق كان للانفلات من الأمكنة وإلقاء الشعر فوق الغيم روعةَ لا يستشعرها أي من المُلقي أو المتلقي في القاعات المغلقة على الأرض ولا حتى في الساحات والباحات المفتوحة.

بصعوبة بالغة تمكن مكتب مؤسسة البابطين في القاهرة من تأمين حجز جديد لنا إلى الأردن ولكن في اليوم التالي، ليلة للراحة، وجزء من نهار في حي المهندسين أتاح لنا وقتاً لا بأس به لمشاهدة بعض ملامح المدينة ونهر النيل والتسوّق حيث الصناعات الجلدية الفاخرة، بالإضافة إلى تناول بعض المأكولات الشعبية المصرية، التي يعتزون بها كتراث جميل ويقدمونها في فنادقهم متيحين للزائر أن يشاهد بعض ما يدهشه ، كأن تقوم سيدة وبمهارة عالية بإعداد الخبز المصري الشهي بواسطة التنور.

في الطائرة إلى عمّان تحسستُ حقيبتي الصغيرة وألقيتُ نظرةً في جيبها الأكثر حصانة لأتفقد كنزي الثمين ؛ حبة الكستناء هدية الشجرة الحانية التي غمرتني بفيئها في باحة قصر الحمراء، وحُصيّات كنت التقطّها من باحة القصر ومن مدينة الزهراء، بينما صوت ينزّ مرارةً يئن في داخلي: بماذا تتشبثين وقد ضاعت البلاد كلها؟!

اللحظة التي تلامس فيها قدماي الأرض هي لحظة عابقة بالإحساس بالحرية ، في الجو أشعر أنني أسيرة الفضاء، أما على الأرض فإنني أمشي كما أشاء وأوقف السيارة إذا لزم الأمر وأترجل وألمس التراب وأتشمم الأزهار وأفعل ما يحلو لي، سبحان الله، إن في هذه الأرض سراً يشدّنا إليها، وبيننا وبينها إلفةٌ عجيبة، أوَلم نُخلق منها وإليها نعود؟ لقاء الأسرة بهيج وآسر، ولكنه لم يستطع منعي من التحدث إليهم بمرارة عن ذلك المجد الذي ضاع منا أو أضعناه، عندما وضعت رأسي على وسادتي راحت عبراتي تتفلت من مآقيها وكأنني أشهد الهزيمة للتو.

قف بالمعرة

قف بالمعرّة

نبيلة الخطيب

قــف بالمعـرّةِ واذكــر النعـمــانَ
قـد شَـرّعَ الأبـوابَ حـين دعـــانا

هو ذا المعـرّي مُبصـرٌ فـي ليلـه
عــيـناه نافـــذةُ الــرؤى إيمـــــانا

مـا كـلّ طرْفٍ حين يرنو مُبصـراً
كـم مـن عيـونٍ أودِعِــتْ عـمـيانا

كــنا بكــيـنا بؤسَــه فــإذا بـــــــه
قـــد راحَ يبكــي بؤسَــنا وبكـــانا

يا سيّدي مُذ سقطُ زندكَ أسقِطَــتْ
مـــنّا الزنــودُ وليــلُنــا غَـشّــــانا

حـريــة الإنسـان بيــن ضلـوعـــه
فعلامَ نخشى السجنَ والسّجـانا؟!

حلـبُ الجميلةُ لم تزلْ فـي حُسْنهـا
والفسـتـقُ المكــنونُ بـُثّ جُـمـانا

وربـــوعُ إدلــبَ بالهــوى ريّـانــةٌ
والـوردُ جــوريّ العـبـيـر شــذانا

قــل للمعـــري إن وقـفــت ببابــــه
إنا نظـمــــنا شـعـــــرنا تحــنانـــا

وعلى بساط الشوق رفرفَنا الجوى
والعشــق رقـرقَ دمـعَنا غــدرانا

الشـامُ تعـلـمُ حـين يمّمْــنا السُــرى
جئنا نُسَـرّي مـا سـرى وشجــانا

القـلــبُ يـلـزمُ مـا لـزمــتَ وبيــننـا
عِـرْقٌ شفيـفُ البـوح مـلءَ دمانا

كيف الزمان يظن أنك ساكنٌ
ويخـالنا فــي عــدْوِنا سُكّــــانا؟!

والله مــا نال الحـيـــــاة حـقيقـــــةً
إلا الــــذي غـنـــى لـهـــا فـأبــانا

فتـرددتْ أصــداؤه فــي أفـقـهـــــا
ومضــى ولكـن ذكـرُه مـا بــانــا.

صورة الشاعرة في أسبانيا


الجزائر عاصمة الثقافة العربية
الأسبوع الثقافي الأردني

وجوه من الأسبوع الثقافي الأردني
[url=http://www.cyemen.com/up][img]http://www.cyemen.com/up/uploads/b10f0b3e69.jpg[/img][/url]
الشاعرة نبيلة الخطيب


ولدت الشاعرة نبيلة الخطيب في مدينة الزرقاء بالأردن عام 1962.. وقبل أن تكمل شاعرتنا السنتين من عمرها، انتقل الأهل للعيش في قرية الباذان التي تبعد عن مدينة نابلس بعشرة كيلومترات.. تقول الزميلة نبيلة الخطيب عن هذه القرية:"وهي قرية رائعة الجمال تكثر فيها ينابيع المياه العذبة والغدران وجنائن العنّاب، عشت طفولة هادئة في أسرة تنعم بالحب والوئام، وقد طبعت على حب الهدوء والتأمل حتى في أوقات مذاكرة الدروس فقد أعد لي والدي مقعداً حجرياً في بركة ماء يغذيها شلال ينحدر من رأس النبع وقد أحاط بالبركة والشلال سياج من القصب وأشجار الحور والكينا، وأحياناً تتخلل النعناع المحيط بالبركة أذرع غضة من نباتات التوت البري الممتدة التي تغري بعناقيدها القرمزية كل من يقع نظره عليها، داعية طيور الدوري كي تقاسمني طعم السكر فيها، في هذا الجو المغرق في الرومانسية، بعيداً عن ضوضاء المدن، توطدت صداقة حميمة بيني وبين الطبيعة".وأسأل الشاعرة نبيلة الخطيب عن دراستها تقول: "تزوجت في سن مبكرة نسبياً، وذلك قبل إنهاء المرحلة الثانوية من الدراسة، وأنجبت ثلاثة أطفال، لكن حبي للدراسة ما انفك يذكي شوقي إلى متابعتها، حتى قررت أن أضيف إلى أعباء الأم الصغيرة –آنذاك- عبء مواصلة الدراسة، فتقدمت لامتحان الشهادة الثانوية، ونجحت بتفوق في ذلك الامتحان، فانتظمت في كلية مجتمع دراسة اللغة الإنكليزية وتخرجت بتفوق أيضاً، وحال تخرجي توظفت كمعلمة في القطاع الخاص الذي ما زلت أعمل فيه دون انقطاع، وانتظمت في الجامعة الأردنية في الدراسة المسائية عام 1992 وحصلت على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية صيف العام 1996". وأسأل الشاعرة نبيلة الخطيب عن الشعر والإبداع، تقول:"بدأت الكتابة في سن مبكرة، ولكنني انقطعت عنها لفترة بسبب تشتت مسؤولياتي ثم عدت والحمد لله إلى الشعر بل عاد إلي الشعر واقتحم حياتي من جديد، نشرت الكثير من قصائدي في الصحف المحلية في الأردن، خاصة في جريدة الرأي، وقد نشرت بعض القصائد في مجلات عربية ومحلية مثل منار الإسلام، ومجلة الشباب والمحبة والشراع، شاركت في عدد من المهرجانات في الأردن.. هذا بالإضافة إلى كثير من الأمسيات الشعرية في العاصمة عمان والمحافظات.. صدر لي ديوان شعر بعنوان "صبا الباذان" في عمان عام 1996 ولدي مخطوطات أخرى". وترى شاعرتنا نبيلة الخطيب أن الاستقرار الأسري، وفر لها الكثير من دوافع الاستمرار في عملية الإبداع، حيث استطاعت مع زوجها "تكوين أسرة هادئة، دافئة، يكللها الحب والوئام والتعاون، وقد أعفاني هذا الاستقرار من الانشغال بصغائر الأمور والمواجع الذاتية، وتركني أنخرط في المواجع العامة، وأحسست بالمشكلات الأكبر حجماً، وربما كان هذا هو السبب المباشر وراء اصطباغ قصائدي بالصبغة الإنسانية العامة والشاملة. حاولت تقديم الشاعرة الزميلة نبيلة الخطيب من خلال كلماتها ليكون القرب من عالمها الشعري والحياتي أكثر عمقاً وجمالاً.. ولي أن أذكر أن قراءة ديوانها "صبا الباذان: يعطي الدليل الأوضح على أن الشاعرة مسكونة بالطبيعة، وبالنبض الإنساني المتدفق.. ويبقى أن هذه الملامح عن نبيلة الخطيب تقدم الكثير وتعد بالكثير.من مؤلفاتها أيضا "ومض الخاطر" 2003 ، "عقد الروح "2006 ، صلاة النار ، نادي القراءة "شريط مسجل مشترك للأطفال"2002 - أدبني الإسلام "شريط مشترك مسجل للأطفال "2003. حائزة على عدة جوائز في الشعر على المستوى الوطني والعربي منها جائزة البجراوية عن الشعر الغربي الفصيح بالخرطوم عام 2005 اختيرت شخصية العام الثقافي النسائي لعام 2005 في العالم العربي ومثلت شعراء بلاد الشام في افتتاح مكتبة البابطين الشعرية عام 2006 بالكويت.طلعت سقيرق / موقع رابطة أدباء الشام - بتصرف

الاثنين، 4 فبراير 2008

حوار مع اجدابيا

ــ( جمعة الفاخري يحاورالشاعرة الكبيرة نبيلة الخطيب )ـــ
الجمعة 23 يونيو 2006
1ـ نبيلة الخطيب عاشت بقريتها ( الباذان ) طفولة مختلفة تختلط فيها مشاعر فرح الطفولة وزهوها بعذابات الجراح والأسى لمشاهد الخراب والقتل والتهجير عن الوطن التي ارتكبها المحتل الإسرائيلي .. ماذا تبقى في الذاكرة من تلكم المشاهد ..؟
** بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، أسمح لنفسي أن أقول :
ما الذي يمكن أن يتسرب من الذاكرة ؟! فإن ما يميز هذه الطفولة أنها حُفرت ونقشت في تجاويف الذاكرة مخترقة كل المسطحات الخارجية ، قد تتسرب ذكرى فرح أو حزن من هذا الثقب أو ذاك إذا تفرد ، أما حين يتفاعل الاثنان ليتكون مركّباً جديداً فلن يسمح حتى لوجود ثقب تتسرب منه قطرة من تلك الذكريات الحميمة ، إنها تشكل الوجبة التغذوية لهذا اللبوس الأدبي الذي يسيل من الدواة مشكلاً بدوره لوحات الفن على أسطح الورق المختلف ألوانه وأشكاله.. إن اللحظة التي أسطر فيها هذه الكلمات تغالبني فيها لحظات المرح والحبور في وادي الباذان بين حقول الزنبق وظلال العناب وماء الوادي العذب الرقراق الذي يجري بارداً تحت بيتنا ، فأعبث به كيف أشاء ، تندمج مع هذه البراءة والجمال صورة الاحتلال وقد جثم بكلاكله على صدر ترابنا وبراءتنا ، وصورة الذين يقرعون بابنا بحثاً عن قطعة سلاح لانتزاعها ومصادرتها مع الحلم الجميل ، ذلك السلاح الذي كان بالنسبة لأبي قلبه النابض وساعده الذي يدافع به عن الأهل والوطن ، وكان بالنسبة للمستعمر جريمة تستوجب السجن وهدم المنزل .. إن العصفور الذي يزورنا اليوم في عمّان ليحط على زنابق حديقتنا هو بجماله وروعته الذي كان يحط على زنابق وادي الباذان .. هذه كلمات وصور عجلى تأبى السؤالات إلا أن تنكأ جراحات لتفجّر منها ينابيع ، آثرتُ أن أضبطها وألملمها مكتفية ببث قطرات ، كل واحدة منها تشكل جدول أسىً وسناً في مُركب كيميائي عجيب.
2ـ للطفولة مخزونها التذكري الذي لا ينضب ورصيدها الإبداعي الثرُّ .. هل يعمد الشاعر إلى اجترار محطات الطفولة لتغذية خياله الشعري وتلغيم قصائده بربيعاتها الفاتنة ..؟
** ــ ( كلٌ ميسّر لما خُلق له )ــ الشاعر يولد شاعراً ، فقبل أن يكتب الشعر أو يقوله تكون نفسه مشبعة بالشعور بكل ما حوله .. شعور من نوع خاص ، لا يمر بالأشياء والمواقف كما يمر بها الآخرون ، من هنا قالوا: الشعر هو الشعور، وإذا كان كل إنسان يملك شعوراً ، لكنما المؤهل للشعر له طبيعته التكوينية التي أوجدها الله فيه متميزة ، كل الناس يرون السحابة تسبح في السماء ، ويسمعون زقزقة العصافير وغناء البلابل في الصباحات ، وتلامس آذانهم وشوشات الماء في جداوله ، ويحسون النسيم يداعب الخصلات الناعمات ويتمتعون بجمال الوردة وأنفاس الرياحين ، فيعبّرون عن دهشتهم وإعجابهم بكلمة ( الله ..! ) ويمدونها بترنم ، أو يخرجونها من أعماقهم بنفسٍ عميق دون كلام ، ولكن الشاعر هو الذي يحوّل هذه المعجزات الخلقية إلى معجزات من نوع آخر .. إنه البيان والتصويرــ (إن من البيان لسحراً ، وإن من الشعر لحكمة).
3ـ متى اُكتشفت الشاعرة فيك متلبِّسة بالقصيدة ..؟ ومن الذي نصَّبك شاعرة ..؟
الشاعر لا يكتشف نفسه اكتشافاً.. منذ اللثغات الأولى كنت أحس بإعجاب الأهل حيال كلماتي ونظرتي المختلفة لكل ما حولي ، كنت أرى الأشياء بطريقة مختلفة تثير اندهاش الأهل فيبدون تحبباً بالغاً ، أذكر أنهم كانوا يستنطقونني بسعادة وإعجاب أمام زائريهم ، ويضحكون جميعاً بفرح وتحبُّب لخروجي عن المألوف في التعبير والتعليق .. لم أكن أعلم أنني مختلفة، بل هم من أشعرني بذلك ، وعندما كبرت قليلاً راحوا يعاملونني كشاعرة صغيرة ويتنبئون لي بمستقبل حافل ، فصدّقت الأمر وكنت منسجمة مع هذه الآمال والأحلام .. أحببت فكرة أن يعتبروني متميزة بين أفراد الأسرة والمدرسة والأطفال الذين حولي ، فكبرت وأنا لا أعرف نفسي غير ما عرّفني من حولي .. وبالتالي فإن الذي نصّبني شاعرة هو الشعر، أو من كانوا يقدرون الشعر حق قدره.. هو الشعر إذن.. فأنت لا تستطيع أن تضع تاجاً على رأس غير ملك ، أو تقدّم جائزة لغير مستحقها.. وهكذا فلا أحد ينصّب الشاعر شاعراً دون أن يكون كذلك ، ولكن قد يعطيه لقباً ، كأن تقول هذا صناجة العرب أو أمير الشعراء أو شاعر النيل ...

4ـ نبيلة الخطيب تمتلك نثراً فنياً باهراً لا يقل جودة عن شعرها الآسر .. لما لم تكتبي القصة أو الرواية ..؟

**- لي محاولات في القصة القصيرة والمقالة ولم أجرّب الرواية ، وإنني بصدد إعداد خواطر إذاعية وتلفزيونية تبث بصوتي سيتم تسجيلها بعد عودتي من السفر إلى المغرب - إن شاء الله - لكن الشعر يأخذ جل اهتمامي ، فأراني أفكر شعراً وأتنفس شعراً وربما أحيا شعراً ، فعندما تلوح الخاطرة أو الفكرة إنما تتقولب من تلقاء نفسها شعراً ، وإحساسي يتملكه الشعر دون إرادة مني ، إنه أميري الذي يدعو فألبِّي ويأمر فأطيع ، لا أدري لعلي مستقبلاً أخوض غمار بحر الرواية أو القصة.. ما زلت أرجو ذلك..

5ـ لك محاولات في كتابة أدب الرحلات .. وقد تفوَّقت في سرد مشاهداتك وخلجاتك خلال زيارتك للأندلس .. لما لا تستمرين في هذه الغواية المدهشة ، سيما وأنت تمتطين براق الشعر في ترحال مستمر عبر بلاد الله الواسعة ..؟

** - إن الأندلس تاريخاً وتراثاً ومعالم خالدة حطّمت لديّ قلم الشعر على عتباتها، فلم أستطع أن أكتب عن رحلتي إليها إلا نثراً، وإن كان موشىً بالشعر، وكأنما دموعي الحرَّى التي تمازجت مع تراب قرطبة وغرناطة تحكي حرقة المشاعر وأنا أشاهد البلاد التي فتحها أبطال عظام ونشروا العدل والسلام بالإسلام على أرضها، ثم ضيّعها إخوة لهم، وضاعوا بعدها.. تجمدت لغة القصائد، ولم أجد ما أقوله شعراً بعد قول أم عبد الله الصغير:ابك مثل النساء مُلكاً مُضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجالِفبكيت في كل مكان ، وبكيت عندما مررت بالمكان الذي أطلق عليه الإسبان الاسم الذي يعني بالعربية : ــ( زفرة الأمير الأخيرة )ــ فلم تكن زفراتي أقل حرارة من زفرات أم عبد الله الصغير.هو النثر كالشعر له هبّة لا يملك مَن تجتاحه صدّها ، وأنا أسعى لأن أجعل لكل بلد أزوره نصيباً من اللوحات الأدبية نثراً وشعراً ، ما أخرني هو شح الوقت ، ولكنني أسعى إلى التفرغ للأدب إن شاء الله، أما بالنسبة لرحلة الأندلس فقد اجتاحتني مشاعر لا تؤجل ، إنها مشاعر الإحساس بالفقد والشوق والأسى والزهو والانكسار في آن واحد ، امتزجت وصخبت في صدري فلم أملك معها إلا الكتابة تعبيراً وتفريغاً ، وإلا لقتلني صمتي حيالها.
6 ـ نبيلة الخطيب معلمة اللغة الإنجليزية .. كيف حافظت على لغتها العربية الأصيلة بنحوها وصرفها وعروضها وبلاغتها .. ولم تتأثر بلغة الآخر افتتاناً وانصهاراً ..؟

**- درست اللغة الإنجليزية، ودرّستها ..أجل ، ولكنني لم أعشها ، فلم أسكنها ولم تسكنّي، اللغة حياة، لقد افتتنتُ باللغة العربية وانصهرتُ فيها ، خصوصاً أنني نشأت في أرض النبوات حيث للغة روعة أخرى ، تتناغم وقداسة المكان ، ما أروع أن تقام الصلاة ويرتل فيها القرآن في أي مكان ، فكيف إن كان في المسجد الأقصى مسرى الحبيب حيث أمَّ الأنبياء ؟! أحس وجيب قلبي يصدح بالعربية ، فهل أستطيع أن أحس بغيرها ، للعربية موسيقا رائعة ، أحسستها وانطبع في نفسي جمالها قبل أن أدرك معانيها ، لثغت بها حروفي الأولى ، وكان يُشنفُ شغافَ قلبي ترتيل أبي وهو يصلي الفجر أو في جوف الليل ، فأحلّق وكأنني من سكان الغيم ، أسرتني اللغة العربية أسراً لا أحب الفكاك منه ، علاقتي بالانجليزية علاقة عمل كمدرّسة للغة ، وقد استفدت من تلك الثقافة ومن الأدب الغربي، ولكنني عبرت عن ذلك بالعربية، أجل.. بالعربية فقط .


7ـ ألم تدفعك إجادتك للغة الإنجليزية ـ بحكم التخصص ـ إلى ارتياد عوالم الترجمة الأدبية كترجمة أشعارك للإنجليزية مثلاًً ..؟



** - كيف أستطيع ترجمة أشعاري من اللغة التي تتملكني إلى لغة لم أستطع أن أملك روحها ؟! سأظلم شعري واللغة الإنجليزية معاً لو اقترفت ذلك بنفسي ، ولكنني حباً في التواصل مع الآخر، تركت هذا الأمر إلى من يعطيه حقه، فترجمت بعض أشعاري وما زالت تترجم إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والتركية والبرتغالية والصينية، وأرجو أن يكون هناك ترجمات إلى لغات أخرى ، حتى يقرأني المهتمون من الشعوب ، كما أحب أن أقرأهم وأستمتع بأدبهم ، فلا حدود بين الإبداع وإن اختلفت اللغات ، أذكر في أمسية شعرية جمعتني بالشاعرة السويسرية كلير كريهنبول ، وكنت عرفتها من خلال أشعارها التي ترجمت إلى العربية ، وعرفتني من خلال ما ترجم لي إلى الفرنسية ، عندما التقينا لأول مرة تعانقنا بحرارة، وجالت دموع في عيوننا معاً ، أحسسنا كأن وشائج من القربى ربطتنا منذ زمن، إنها قربى الكلمة والإبداع .


8ـ نبيلة الخطيب حفظت القرآن الكريم في الصغر ، فغدا في شغاف قلبها نقشاً في الكبر .. فما آثر الثقافة الإسلامية في تكوينك الأدبي ..؟



**- حفظت من القرآن الكريم ، ولا آزال أسعى لإتمام الحفظ ، وأرجو الله أن يعينني على حفظه كاملاً ، ليس للأدب فقط بل للفوز بالدرجات العلا في الآخرة ، حيث يقال للمسلم في الجنة ــ( اقرأ وارقَ )ــ أقول نعم ، لقد كان للثقافة الإسلامية أثرٌ كبيرٌ في تكويني الأدبي ، وهذا ما جعلني أصنّف مع الشعراء الملتزمين، وهنا أجدها فرصة للشهادة أن الثقافة الإسلامية لا تؤثر فقط ، بل إنها تصقل ، ويمكن أن تبدع بما يجاري وينافس ويتقدم ، وللنقاد رأيهم الذي أعتز به وأسعد .

9ـ لنبيلة الخطيب تجارب عدة مع المسابقات الأدبية متسابقة متفوقة ومحكِّمة أحياناً ، فما أبرز المحطات التسابقيَّة التي وقفت فيها ..؟

** - كنت وقتها طالبة لم أتجاوز الخامسة عشرة من عمري ، عندما سألتني امرأة بعمر جدتي وقد جلستُ بجوارها في الحافلة العامة التي توصلني إلى المدرسة : ( بنت مين إنتِ يا ستّي؟ ) وعبارة ( يا ستي) تخاطب بها الجدَّات أحفادهن وكأن الواحدة منهن تقول ( ياحفيدي ) وينادي بها الأحفاد جداتهم ، وعندما أخبرتها باسم أبي قالت على الفور: هل أنت الشاعرة ؟ عندها..أحسست بما لا أستطيع وصفه من فرح وزهو وسعادة ، قلت: نعم ، فوضعت يدها على رأسي وقالت: ــ( اسم الله عليك ، الله يحفظك ويخلِّيك لأهلك )ــ كنت ما زلت أخربش كلماتي الأولى في الشعر، ولم أحصل على شرف هذا اللقب بعد، فمنحتني إياه تلك الجدة الأميَّة من خلال ما نقلته الطالبات لأهلهن ، فقد كانت المديرة والمعلمات في المدرسة يعمدن إلى تعزيزي بقراءة قصائدي الصغيرة التي كانت تنشرها إحدى الصحف في صفحة الأقلام الواعدة، فيقرأن ويجعلنني أقرأ في الإذاعة المدرسية أو في احتفالات المدرسة ، في القرية الناس معرفة ، لا أحد نكرة ، حتى لو وفد غريب على القرية ، فسرعان ما يصبح معرفة ، وهكذا كانت حتى الجدَّات يسمعن ويبدين اهتماماً حتى ولو بمراهِقة ما زالت تحلم أن تكتب درسها دون أن تقع في أخطاء إملائية ، كان ذلك الموقف هو أبرز المحطات التسابقية التي وقفت فيها ، حيث كان السباق مع الحلم والزمن ، وأما المحكم فكانت عجوزاً أمية منحت دعواتها للحلم البكر كما منحتها للفتاة البكر.

10- ماذا بعد ديوانيكِ ( صبا الباذان ) و (ومض الخاطر ) ؟.



**- تحت الطبع بل أظنه قد تم طبعه ديوان (عِقد الروح ) وهو يصدر عن رابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض ، حيث فاز هذا الديوان بالجائزة الأولى في مسابقة الرابطة للأديبات ، وبين يدي مخطوطة لديوان بعنوان(صلاة النار) معدة للطباعة قبل ديواني الثاني (ومض الخاطر) ولكن لا أدري لماذا ما زلت أضنُّ بها على المطابع رغم قربها الشديد من نفسي ، والديوان الخامس ما زال بلا عنوان ، فهو قيد الإعداد ، وقد صدرت مجموعات من الألبومات المسموعة على أشرطة أو أقراص مضغوطة ، وقد حققت انتشاراً جيداً في العديد من الدول العربية.


11ـ هل للطفولة تأثير مباشر على تكوينك الشعري ..؟



** بالتأكيد نعم، فالطفولة هي التشكيل الأول والنواة التي ينبثق منها برعم النفس كأنما تُنقش الطفولة على خارطة العمر فتلازمه حتى النهاية، كثيراً ما أشعر أنني الطفلة التي تشتاق حضن أمها وتتمنى أن تدفن رأسها في صدر أبيها ، في قصيدتي المعنونة "في مدخل الصمت" أقول: " يا أبي.. لماذا أناديكَ لا تستجيب؟!.. أزورُكَ متعَبةً يا أبي.. وفي مدخل الصمت.. أعقلُ راحلةً من جموح الحنين..وأطرُق بوّابةً أقفِلتْ في مسار السنين.. فافتحْ ذراعيكَ.. خذني إليك.. وهَدهِدْ فؤادي قليلا..فإما احترقتَ بأنات صمتي .. أصِخْ يا أبي لنشيج الوجيب " إلى أن أقول: " .. وقلبكَ يرشحُ ودّاً ووردا.. وناركَ كانت سلاماً وبردا..وحضنكَ مهدا.. على مرج صدركَ بي يا أبي حاجةٌ للبكاء.." إلى آخر القصيدة.. نعم.. تأثرت بطفولتي، فقد كانت رائعة ، عندما أعود إليها أحس وكأنني أدخل عالم الحكايات الأسطورية الجميلة ، فأتحوّل إلى معزوفة موسيقية في سيمفونية الطبيعة أو إلى نشيد علوي رخيم ، ذلك لأن طفولتي الرائعة تشربت الطبيعة الرائعة التي أتيح لي أن أعيش في أحضانها ، في كنف أهلٍ رائعين ، فارتبطت طفولتي بمهد الجمال والروعة ، وهذا ما زاد من حميميتها ووثق ارتباطي بها ..، فانعكست ليس على تكويني الشعري فقط بل على تكويني النفسي والروحي والعصبي وكل جزئيات حياتي.

12- للهمِّ الإنساني والعذابات البشرية حظه الكبير في أعماق وقصائد نبيلة الخطيب .. فكيف تستشعر الشاعرة المآسي الإنسانية التي تفقس كلَّ حين .. وهل للجرح الفلسطيني امتدادٌ يتواشج مع جراح العالم كافة فتتآلف عندك مواجع الإنسانية وعذاباتها مكونةً نهر دموع ودماء ..؟

*** بحكم تكويني الثقافي الإسلامي فإن نظرتي إنسانية عامة تمتد عبر الزمان والمكان ، لا أومن بالجنسوية لا من حيث التكوين ، بل من حيث التمييز والاستعلاء ( بما فضل الله به بعضكم على بعض) فكلٌ له جانب تفضيلي على الآخر، وإنني أرفض التمييز والتفاضل العِرقي، فهذه قضية محسومة، ولا يد للإنسان فيها ، (ولقد كرّمنا بني آدم..)، وأرفض أيضاً التفاضل الاجتماعي الاستعلائي والطبقي الظالم (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ، من هنا أرى وحدة المأساة الإنسانية (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ) فأي جرحٍ في أي مكان وزمان أحسه ينزفني ويفتك بشراييني ، فالشعراء هم أكثر الناس نزفاً إنسانياً مع كل مشهد جوع أو تشرد أو قتل أو ظلم...أما الجرح الفلسطيني فهو الذي تعجز الأقلام والكلمات أن ترقأ فتقه ، أو تبني سداً ولو لضبط بعض أنهار دموعه ودمائه ، كل الهم الإنساني والعذابات البشرية إنما هي مجسدة في هذا الجرح ، وكوني ابنة القضية فقد تكثفت فيها كل الجراح والعذابات والهموم.. واختزلت كل القضايا.

13ـ في قصائدك ، لا سيما في ديوانك الأول صبا الباذان ، تكثر الخطابية الوعظية ، كما نلمس الكثير من الحكم الداعية إلى الإرشاد ، فهل للأديب دورٌ اجتماعي في البناء والإصلاح والتغيير كالفيلسوف والسياسي والمصلح الاجتماعي ..؟

** أترك الحكم على قصائدي للنقاد ، ولا بأس أن تصدر أحكام مختلفة حولها ، تسعدني الآراء المختلفة أياً كانت، فإن فيها إغناءً للعمل الإبداعي ، كما أنني أحاول الإفادة منها ، أقول: لستُ مع الخطابية في العمل الإبداعي ، وربما يلتبس الأمر بين ما في شعري من وعظ وحِكَم وغيرها وبين الخطابية والمباشرة ، أومن أن الأديب ينبغي أن يكون له دور في المجتمع وحركة الحياة ، فالأديب يخاطب جميع الفئات من على منبر الكلمة ، ولا يحد عبق كلماته زمان ولا مكان ، وهذا يسلمنا إلى قضية مهمة وهي أن الأدب للحياة بناءً وإصلاحاً وجمالاً وروحاً..، وإذا تخلى عن هذا الدور التكاملي فيغدو من العبث الذي لا طائل من ورائه ، والذي تكفل الزمان بإهماله وتجاوزه، إنما الأديب ابن الحياة والبيئة والمجتمع ، فلا يليق به أن يرثي في الفرح أو يغني في العزاء ، أو يرقص على جراحات المجروحين أو يقهقه أمام ثكلى تبكي ابنها تحت جنازير الدبابات..، فالشاعر هو باطن الباطن، ومن هنا يكون البقاء للأدب، ربما يقول السياسي كلمة تجرح وتثير الأضغان وتشعل الحروب، ولكن الشاعر يقول كلمة السياسي بطريقة أخرى ترتق الفتق وتلم الشعث وتداوي الجراح ، وإذا كان الفيلسوف يحلّق كثيراً بالهُلاميات وربما يعقد الأمور، فإن الشاعر يصوغ كلام الفيلسوف بما يتغلغل في الأعماق ويقرّب المسافات.. إذن كيف يمكن الفصل بين الشاعر وغيره إلا بالدور والأسلوب؟!


14ـ لشاعرتنا فلسفتها الخاصة في النظر للحياة و الحب والجمال والعواطف الإنسانية الأخرى .. فما إيجازك لهذه الفلسفة في تداخلها وتقاطعها المثير ..؟



*** نعم .. لي فلسفتي الخاصة ، مع انسجام كامل ، ذلك أنني أصدر عن مرجعية إيمانية وقيمية واحدة في نظرتي للحياة والحب والجمال والعواطف الإنسانية ، وأراها مجتمعةً مكوّنات لمعنى واحد ، باختصار هي ـ(أنا الإنسان المؤمن)ـ.

15ـ نبيلة الخطيب لا تؤمن بتصنيف القصيدة ارتكازاً على الشكل .. فما مفهومها للشعر .. وكيف تتعامل مع أنواعه المقترحة ..؟

*** كل إنسان يقول الشعر ولكن بطريقته ، فالأم وهي تهدهد طفلها إنما تحكي شعراً ، والمتأمل في نجوم السماء الصافية ويناجيها يقول شعراً ، والخطيب وهو يوجَّه كلماته إلى جمهوره ليدخل في أعماقهم هو شاعر..، وهكذا في كل مجالات الحياة..، فالمشاعر هي التي تتخاطب وتوجه وتؤثر، في إطار هذا المفهوم العام للشعر، كل إنسان في داخله شاعر.. أما ما تعارف عليه الناس من مفهوم مصطلحي للشعر فهو الذي أطلقوا عليه اسم (القصيدة )، وهل القصيدة إلا ما يقصد الشاعر؟! .. هذه القصيدة التي اعتبرها أدبنا مولوده البكر، إنها العمودية أو الخليلية، والتي لا يزال الأدب العربي يعتز بها ويفخر بشعرائها، ثم ظهرت قصيدة التفعيلة التي تحمل الكثير من سمات الشعر المقفى ، وهذا ما منحها الشرعية الشعرية ، وقد كتبت في النوعين السابقين، أما الثالث والذي أطلقَ عليه اسم قصيدة النثر ، فإنني أعتبره نوعاً من الأدب غير الشعر ، وهو ككل أنواع الأدب جميله جميل ورديئه رديء، وإن كتبت فيه فأعتبره نثراً أدبياً لا شعرا.


16ـ برأيك هل لا يزال الشعر ديوان العرب ..؟



*** يبقى الشعر على المدى رونق الحياة وديوان الزمان ، ومهما تطورت وتغيرت وسائل وآلات تسجيل الحدث وحركة الحياة فلن تلغي دور الشعر في مجالات الحياة تعبيراً وتصويراً وتخزيناً ، والفارق أن الشعر يحوي في داخله المشاعر والعواطف مع تسجيل الحركة والحدث ، بمعنى آخر إن الآلة الحديثة تنقل الحدث كما هو جامداً ولو كان متحركاً ، بينما الشعر ينقل الصورة والحركة ويتغلغل في أعماقهما، ويلقي بظلال سحرية على وجدان المتلقي ، لا يبهتها تباعد الزمن ولا تغير الاتجاهات.. فالشعر شاهد على الصورة وليس العكس ، وهو يملك من خصائص الجمال والخلود ما يفتقد إليه غيره.. أليس هذا جديراً بأن يبقى ديوان العرب ما دامت العربية تنطق بها الألسن فتخفق لها القلوب ؟!


17ـ البعض يرى أن الشعر اختصاص رجالي ، فالمرأة مجرد بكَّاءة ندَّابة لم تجد غير الرثاء والبكائيات على امتداد خارطة الشعر العربي ، برأيك هل استطاعت شواعر العرب أن يزاحمن الشعراء بشعرٍ متفرِّدٍ متميّزٍ..!



*** إذا كان الشعر تعبيراً فنياً نابعاً من الشعور فالأصل التساوي في ذلك بين الرجل والمرأة.. بل أقول إن المرأة بما خصَّها الله من تفوق في رهافة الحس وفيض العاطفة على الرجل كان ينبغي ولا يزال أن تتقدم عليه في التعبير وإبراز هذه المشاعر والعواطف .. من هنا فالقضية ليست اختصاصاً بقدر ما هي عوامل أخرى متفاوتة في التغليب اجتماعية واقتصادية ودينية ، وجعلت الدينية في آخرها لقناعتي بأن الدين لم يقف عائقاً أو معوِّقاً للمرأة في حركة الحياة ومنها التعبير الشعوري . وأقصد بالدين نصوصه وليس كثيراً من التهويمات والتأويلات المغلوطة السائدة كانت ولا تزال .. لم يخل جيل من وجود شواعر منهن من عرفن بأسمائهن الصريحة ومنهن من لم يعرفن إلا بأسماء رمزية مما أبقاهن بغير أسماء حقيقية .. وللعوامل السابقة يكون شعر الكثير من الشاعرات قد أهمل فضاع.أما أن المرأة مجرد بكَّاءة ندَّابة لا تجيد غير الرثاء والبكائيات فهو تقرير يحتاج إلى دراسة معمقة لكل إنتاج شواعرنا عبر التاريخ العربي الطويل إلى يومنا هذا .. وهل يعني هذا أيضاً أن المرأة تفردت وتميزت بهذا النوع من الشعر على الرجل ، إن كان نعم ، فهذا يعني إنها زاحمت الرجل فعلاً ولو بهذا النوع من الشعر .. وان كنت أرى ـ وإن في المراحل الأخيرة ـ أن المرأة الشاعرة لم تترك موضوعاً شعرياً إلا طرقته وكان لها باع فيه.. ويحسن أن أختم الإجابة أن القضية ليست مزاحمة وتنافساً بقدر ما هو تكامل شعوري ومجال اهتمام .


18- من تعجبك من شواعر العرب الأوائل والمعاصرات ؟



***أحترم وأقدر كل عمل إبداعي قديم ومعاصر... ولكلٍ تجربته وزمنه وقضاياه ... والتفاوت في العطاء أمر فطري وطبيعي ولا يخلو عمل من إبداع وأنا احترم النسبية في مجال الإبداع .


19ـ ما انطباعك عن المشهد الإبداعي الليبي وبإبداعه وأعلامه .. لا سيما الأديبات ..؟



***- لا أدري من المقصر بالدرجة الأولى ، نحن الأدباء أم وسائل الإعلام، لم يتح لي المجال بعد للاطلاع إلا على القليل من الأدب والإبداعات الليبية ، كما أن إعلامنا أيضاً مقصر في إيصال صورتنا إليكم ، لذلك فلا أستطيع الحكم ، لكنني أسعى جاهدة للتواصل مع المشهد الإبداعي الليبي ككل ، وليس الإبداع النسوي فقط ، فما عرفته منه ثري بحق ويثير الإعجاب.

20ـ نبيلة الخطيب ترفض الإملاءات الشعرية .. بمعنى أنها ضد قصائد المناسبات ، فكيف تبرِّرين رفضك .. أهو إيمانٌ بالولادة العفوية للقصيدة أم هو عجزٌ عن الارتكاب العمديِّ للشعر ، أم رفض للموضوع أصلاً ..؟



***- أنا لست ضد قصائد المناسبات بالمطلق... فالمناسبة التي تلامس وجداني وترتاح لها نفسي وتعفيني من صراع داخلي فانا معها ... بمعنى أن المناسبة التي هي جزء من مشاعري الوجدانية أو التي تتحور إلى ذلك ويتولد عنها قصيدة أو قصائد فإنما هي جزء من النفس ولا أحس بانفصام بيني وبينها ... وبالتالي فقصيدة المناسبة عندي محررة من الزمان والمكان ، فهي تنتقل من المقيد إلى المطلق لتلامس المشاعر الإنسانية وتتحول إلى قصيدة يمكن أن تقرأ في المناسبة وغيرها.. فقصيدة عاشق الزنبق مثلاً هي في الأصل قصيدة مناسبة ولكنها تحولت إلى إبداع مطلق يقرأها كل صاحب قضية وطن أو عشق... وباختصار إذا أتت القصيدة لا أردها .
21- لوصف الطبيعة والجمال بشقيه نصيب وافر في شعرك .. هل للنشأة الأولى سطوتها في هذا الجانب..؟
***- للطبيعة بشكل عام تأثير على النفس والشعور فالإنسان ابن الطبيعة وهو جزء منها ومن مكوناتها ... أما أن للنشأة الأولى سطوتها فهو أمر مؤكد ولقد درجت في أحضان الطبيعة الغناء الرائعة الجمال، فكنت ذرة من ترابها وقطرة من مياهها وبلبل من طيورها وظللت هكذا إلى اليوم لا أنفك عنها ولا هي كذلك فأجد نفسي بتلقائية أتغنى بها فتغنيني في كثير من الأحيان عن غيرها ... ومما عمق ذلك أني اليوم أعيش بين أحضان طبيعة ساحرة وفي جو يسوده الهدوء ... أصحو على تغريد العصافير فأظنني في وادي الباذان النشأة الأولى ...
22ـ ما قصتك مع الرقم (واحد) فقد تحصلت على جوائز عربية ودولية عدة في الشعر العربي منها الجائزة الأولى في مسابقة رابطة الأدب الإسلامي العالمية للأديبات عن ديوانك ـ(عِقد الروح)ـ والجائزة الأولى في مسابقة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين عن قصيدتك (صهوة الضاد) وجائزة السيدة الأولى في الشعر العربي عن مجمل أعمالك الشعرية والجائزة الأولى في مسابقة رابطة الكتاب الأردنيين عن قصيدتك ـ(عندما يبكي الأصيل)ـ كما أنك فزت في مهرجان للإبداع النسائي العربي وفزت في الخرطوم عن قصيدة (عقالها الحب) .. فضلاً عن جوائز عدة أخرى.. فهل ثمة سرّ ..؟
***- الحمد لله أولا... فلا قصة لي مع الرقم واحد ... وعندما أكتب القصيدة لا أفكر بما وراءها من فوز أو غيره فديوان ـ(عقد الروح)ـ الفائز بالجائزة الأولى في رابطة الأدب الإسلامي العالمية كتبت قصائد في أوقات متباعدة ثم جمعت وقدمت للمسابقة ... وقصيدة ـ(عندما يبكي الأصيل)ـ فازت بالجائزة الأولى في رابطة الكتاب الأردنيين ولم تكتب لذات المسابقة... وكذلك قصيدة ـ(عقالها الحب)ـ التي فازت في مهرجان البجراوية للإبداع النسائي العربي في الخرطوم أيضا لم تكتب للمسابقة ... أما قصيدة ـ(صهوة الضاد)ـ فهي الوحيدة التي كتبتها لمسابقة البابطين لإحساسي أن الحديث عن الشعر والشعراء هو من ذاتي وتجربتي التي عايشتها منذ نعومة موهبتي الشعرية فكانت الفائزة بالجائزة الأولى وذلك فضل من الله .. ولا استطيع أن أتحدث عن نفسي في هذا المجال فهو متروك للنقاد والدارسين ..
23ـ هل تبقى شيء لم نذكره ..؟
***- ما أحب أن يعتنى به ويصبح مصبَّ الاهتمام هو ما يكتب الكاتب وما هدفه دون إغفال الفنية العالية كهوية تمنح الشرعية والمواطنة الفنية للإبداع، أقصد بالمواطنة الفنية تلك التي لا تحدها حدود .. لا زمانية ولا مكانية... فتنسجم الرسالة التي يريد تبليغها وإيصالها إلى العقل لتصبح من ثم حركة في الحياة... حركة إيجاية بانية... وإلا ستكون بالتأكيد مخربة معوقة... ولا بأس بالاختلاف أو التباين في الاجتهادات في إطار الجدية وإرادة الخير... حتى لا تسيطر العبثية وتملأ الساحات الأدبية والفكرية باللاشيء .
24ـ كلمة أخيرة ... ؟
***- أعتقد أن قضايا الإبداع ترتبط اتساعا بقضايا النفس والمشاعر وهي تشمل الفضاء كله بكل ذراته ومساحاته اللامحدودة والحكم على أي عمل إبداعي تحكمه ظروف مكانية وزمانية ونفسية ، وأكثر ما أخشاه أن يتحول الإبداع إلى صناعة تابعة لمواصفات محددة تفرضها مصالح لا علاقة لها بالفن بكل مشتقاته لخدمة أصحاب تلكم المصالح ... وازعم انه يقدم في عصرنا الحاضر إبداع ويؤخر آخر وفق تلك المواصفات ، أما المعصوم فمن عصم الله تعالى ... وبالله التوفيق .
مجلة اجدابيا